المقالات

ممارسات الموارد البشرية 2024-2025: ابتكارات تُعيد تشكيل المستقبل

Image placeholder

د. عبدالملك محمد ملهي

الرئيس التنفيذي

Document

مقدمة:

مع انقضاء عام 2024 وبزوغ فجر عام 2025، تتجدد حاجة المؤسسات والخبراء لاستكشاف الاتجاهات الصاعدة التي أعادت تشكيل خارطة الموارد البشرية، وسط عالم تتسارع فيه التغيرات وتشتد فيه التحديات. وبينما تزداد التوقعات على عاتق إدارة الموارد البشرية كركيزة استراتيجية للتميز المؤسسي، يصبح من الضروري تقييم ما أفرزته التجارب السابقة من ممارسات مثلى، واستشراف ما سيحمله المستقبل من أدوات وأفكار تدعم المؤسسات في بناء بيئات عمل أكثر مرونة وإبداعًا.

لقد شهد عام 2024 تركيزًا غير مسبوق على الابتكار، والتكنولوجيا، وتجربة الموظف، وهي اتجاهات تَعِدُ بالامتداد والتطور خلال عام 2025. ([1]) ومع تصاعد تأثير الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، يبدو أن التحول الجذري في إدارة الموارد البشرية بات ضرورة وليس خيارًا. فهل نحن على أعتاب عهد جديد يُعيد تعريف دور الإنسان في المعادلة المؤسسية؟ وكيف يمكن للمؤسسات أن تواكب هذا التحول الجذري، مستفيدةً من التكنولوجيا دون أن تفقد إنسانيتها؟ ([2])

إن هذه التساؤلات ليست مجرد قضايا إدارية عابرة، بل هي انعكاس لتحولات أعمق تَمَسُّ صميم العمل المؤسسي. في هذا المقال، سنسلط الضوء على الاتجاهات والممارسات الأبرز في عام 2024، والتوقعات المحورية لعام 2025، مع تحليلٍ معمّقٍ لأثرها على بيئة العمل العالمية والعربية والمحلية.

أولا: الاتجاهات الرئيسية في 2024:

  1. الذكاء الاصطناعي (AI) والتحليلات التنبؤية في الموارد البشرية:

 أصبح الذكاء الاصطناعي أداةً أساسيةً لتحسين كفاءة إدارة الموارد البشرية، خاصة في أنشطة التوظيف وتحليل الأداء. حيث أسهمت خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تسريع عملية التوظيف وزيادة دقة اختيار المرشحين من خلال عدد من العمليات؛ مثل: فحص السير الذاتية واستخدام روبوتات المحادثة (الدردشة) للتقييم المبدئي. بالإضافة إلى ذلك، استفادت إدارات الموارد البشرية من التحليلات التنبؤية، مثل: تحليل المشاعر، لقياس رضا الموظفين وتحديد متطلباتهم مما أتاح تخصيص تجربة الموظف بناءً على بيانات دقيقة. ([3]) ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك منصة (ليلي) التي طرحتها شركة ماكينزي في يوليو 2023 واستمرت في تطويرها خلال 2024م، والتي وَفَّرَتْ حسب موظفي الشركة أكثر من 30% من وقتهم في البحث وتوليف المعرفة. ([4])

  1. تجربة الموظف المتكاملة (الرفاهية الشاملة والتوازن):

 أصبحت تجربة الموظف إحدى المحاور الرئيسة التي ركزت عليها إدارات الموارد البشرية في عدد من المؤسسات الدولية، إذ تجاوز الاهتمام ببيئة العمل التقليدية لدى العديد تلك من المؤسسات، ليشمل دعم الصحة النفسية والبدنية. تتبنى المؤسسات الآن برامج شاملة للتعامل مع التوتر، دعم التوازن بين الحياة والعمل، وتقديم مساعدة للموظفين الذين يعانون من تحديات صحية نفسية. تُظهر الأبحاث أن هذه البرامج تسهم في رفع الإنتاجية وزيادة رضا الموظفين، مما يعزز الولاء والانتماء المؤسسي. ([5])

على سبيل المثال، أثبتت جوجل ريادتها في هذا المجال من خلال توفير برامج شاملة لدعم الصحة النفسية وخدمات استشارية مبتكرة، مما أسهم في زيادة إنتاجية موظفيها. في ذات السياق، طَبَّقَتْ مايكروسوفت مبادرات متكاملة لتعزيز التوازن بين العمل والحياة، مما انعكس إيجابيًا على رضا الموظفين ومستويات تفاعلهم. أما (Salesforce)، وهي شركة أمريكية متخصصة في برمجيات الحوسبة السحابية فقد تَبَنّْت ثقافة "أوهانا"،"Ohana" التي تركز على بناء علاقات تعاونية وداعمة داخل بيئة العمل، مما جعلها نموذجًا يحتذى في تحقيق الرفاهية الشاملة. ([6])

وفي إطار التجارب العربية هناك تجارب مميزة بدأت منذ عدت سنوات في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وعدد من البلدان العربية الأخرى تمثلت في إطلاق مبادرات، مثل: تجربة الموظف السعيد، والموظف الذكي وأتمتة الحياة الوظيفية.. مضافا إلى ذلك العديد من الأنظمة الإلكترونية المنظمة للحياة الوظيفية التي أطلقها شركات عربية، وتعمل على تطويرها باستمرار.

 إن تجارب تلك الشركات والمؤسسات لتؤكد أن الاستثمار في تجربة الموظف المتكاملة ليس ترفًا، بل هو ضرورة استراتيجية لتطوير الأداء المؤسسي وضمان ولاء الموظفين، مما يعزز القدرة التنافسية في أسواق العمل المتغيرة باستمرار. ([7])

  1. تطوير المهارات وإعادة التأهيل (Upskilling &Reskilling):

 في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، أصبحت الحاجة إلى تحديث مهارات الموظفين أمراً ملحاً. تستثمر المؤسسات في برامج تدريبية مستمرة تتناسب مع احتياجات كل فرد لتأهيلهم لمتطلبات العمل المستقبلي. أظهرت تقارير (SHRM) أن 53% من المؤسسات تعتبر التعلم المستمر من أولوياتها، حيث وفَّرَتْ برامج تشمل التدريب على رأس العمل وورش عمل رقمية، مما عزز من قدرة المؤسسات على تلبية متطلبات السوق المتغيرة دون الاعتماد المكثف على التوظيف الخارجي. ([8])

وفي السياق العربي هناك العديد من الشركات التي بدأت بالاهتمام بالتدريب والتعلم منذ وقت مبكر، وأصبح لديها أكاديميات ومراكز تدريبية متخصصة لإعداد الموظفين والقيادات، مثل: شركات النفط والبنوك وشركات الاتصالات وعدد كبير من الشركات الصناعية والتجارية.

هذا التوجه توجه عالمي، من ذلك تجارب ملهمة مثل برنامج "الاختيار الوظيفي" الذي قدمته شركة أمازون، حيث غطت 95% من رسوم التعليم المسبق للموظفين، مما مكنهم من اكتساب مهارات تخصصية تواكب التحولات السوقية. وفي جوجل، أسهمت برامج الإرشاد الوظيفي في توجيه الموظفين نحو مسارات مهنية جديدة، بينما أتاح برنامج التنقل الداخلي في شركة IBM)) الفرصة للموظفين لتطوير مهارات متعددة ومواجهة تحديات جديدة داخل المؤسسة. هذه التجارب أثبتت أن الاستثمار في تطوير المهارات لم يكن مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية عززت قدرة المؤسسات على الابتكار، واستدامة النجاح في بيئة عمل ديناميكية ومتنافسة. ([9])

  1. التوظيف الإلكتروني: التوجه المتسارع نحو أنظمة التتبع والمنصات الذكية:

تم الاعتماد بشكل كبير على أنظمة التتبع الإلكترونية (Applicant Tracking System) (ATS) والمنصات الرقمية للتوظيف من قِبَل العديد من الشركات، سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي، حتى أصبح هذا الخيار لا غنى عنه. وقد أتاحت هذه الأنظمة للشركات تتبع المرشحين، تحليل بياناتهم، وتسريع عملية التوظيف بكفاءة وشفافية.

وفي العالم العربي بعامة، شهدت العديد من الشركات الكبرى تطوراً ملحوظاً في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، وفرت العديد من الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي وعدد من البلدان العربية الأخرى منصات توظيف إلكترونية شاملة مكّنتها من استلام الطلبات، فرزها، وتحديد الأنسب منها بشكل آلي. وفي ذات السياق، تبنّت العديد من مجموعاتنا الاقتصادية اليمنية البارزة في اليمن، مثل مجموعة هائل سعيد ومجموعة القطيبي التجارية، بالإضافة إلى العديد من البنوك والشركات الصناعية والتجارية، منصات رقمية متقدمة لإدارة عمليات التوظيف.
وقد أسهمت تلك المنصات في تحسين تجربة المرشحين، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، مع تحقيق انسجام كامل مع استراتيجيات الموارد البشرية، ورفع كفاءة عمليات التوظيف.

على المستوى الدولي، تتجلى أمثلة بارزة على ممارسات توظيف متقدمة باستخدام التقنيات الحديثة. على سبيل المثال، استخدمت شركة McKinsey (Generation) الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات التوظيف، تحسين مطابقة المهارات، وتقليل الجهد الإداري. ([10]) كما برز مثال آخر في تحليل بيانات الموظفين باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، نفذته شركة (Ocado)، وهي شركة بريطانية رائدة في التجارة الإلكترونية، بالتعاون مع (Aon)، الشركة العالمية المتخصصة في الخدمات المهنية. يعد هذا التعاون نموذجًا بارزًا أوضح كيف يمكن لأدوات تحليل البيانات أن تسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز التنوع في بيئة العمل. أسفرت هذه الممارسة الدولية عن النتائج ما يلي: ([11])

  • عززت العملية التنوع بين المرشحين، حيث تمكن 40% من المقبولين من تجاوز مراحل التقديم الأولية لأول مرة.
  • تحسن التوازن بين الجنسين بشكل ملموس، إذ ارتفعت نسبة الإناث من 36% إلى 53%.
  • أسهمت الأتمتة في توفير أكثر من 1200 ساعة عمل كانت تُستهلك في الطرق التقليدية

 

  1. المنظمات القائمة على المهارات: التحول من الوظائف إلى المهارات:

لقد أصبح نموذج العمل التقليدي القائم على الوظائف منذ العام 2022م يمثل عائقاً أمام العديد من المنظمات. لذلك، بدأت منذ ذلك العام وحتى اليوم عدد من الشركات العالمية في تبني نموذج تشغيلي جديد يركز على المهارات بدلاً من الوظائف، بما يحقق المرونة، الكفاءة، والعدالة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل والموظفين. ولعل من أبرز الأمثلة على هذا التحول: ([12])

  1. شركة يونيليفر (Unilever):/ التي اعتمدت سوق مواهب داخلي يسمح للمهارات بالانتقال بين المشاريع المختلفة. حيث عَمِدَتْ إلى إعادة النظر في الهيكل الوظيفي التقليدي، لصالح تنظيم العمل بناءً على المهارات والمخرجات، مما أدى إلى تحسين التنقل الداخلي وتعزيز أداء الأعمال.
  2. مؤسسة الرعاية الصحية الأمريكية أحد أشهر مؤسسات الرعاية الصحية في العالم:( Cleveland Clinic) أعادت تصميم العمل لتصبح غالبية الفرق الطبية تحت مسمى "مقدمي الرعاية"، حيث تركز الفرق متعددة التخصصات على المرضى ككل، مما شجع الابتكار في تقديم الرعاية الصحية. ([13])
  3. تحليل المهارات والتكنولوجيا لتعزيز الأداء: ومن أمثلة ذلك: ([14])
  • شركة (IBM) استخدمت الذكاء الاصطناعي لتشكيل فرق عمل مثالية بناءً على المهارات، مما أسهم في تعزيز فرص النجاح وتقليل الفجوات في الكفاءات.
  • وزارة الدفاع الأمريكية عبر منصة (MilGears)، وَثَّقَتْ المهارات المكتسبة خلال الخدمة العسكرية وربطها بوظائف مدنية مناسبة، سهل للأفراد الانتقال بين القطاعات المختلفة.
  • شركة (Deloitte) نَفَّذَتْ دراسةً شملتْ أكثر من (1200) متخصص، أظهرت أن (85%) من المديرين التنفيذيين يخططون لإعادة تصميم العمل بحيث تصبح المهارات محور القرارات. و(80%) من المديرين التنفيذيين أكدوا أن اتخاذ القرارات بناءً على المهارات قلل من التحيز وحَسَّنَ من العدالة والانصاف.
  • شركة (Unilever)، حددت أكثر من (80,000) مهمة يمكن إنجازها بواسطة مزيج من الموظفين الدائمين والعاملين المرنين.

وفَّر هذا النموذج مرونة أكبر في تنظيم العمل، حيث تم التركيز على تطوير المهارات بدلاً من الاعتماد الكامل على الأدوار الوظيفية التقليدية. أتاح هذا النهج للشركات تحقيق إنتاجية أعلى، تقليل الفجوات في المواهب، وتعزيز المساواة في بيئة العمل. كما أن المنظمات التي تبنَّتْهُ أصبحت أكثر استعداداً للتكيف مع التغيرات المستقبلية، مما عَزَّزَ من مكانتها التنافسية في السوق.

  1. التخطيط الذكي للقوى العاملة:

بادرت العديد من الشركات العالمية والعربية للاستفادة، من الطفرات الهائلة لتطور الذكاء الاصطناعي، كل وفق حاجاتها اللمحة، ويبدو أن شركة (Philips) الرائدة في تكنولوجيا الرعاية الصحية، قد حاولت حل إشكال لديها متعلق بالتخطيط للقوى العاملة، بالتعاون مع شركة (Workday) لإعادة تصميم عمليات الموارد البشرية، باستخدام حلول إدارة رأس المال البشري والتخطيط التكيفي. هذا التحول أدى إلى: توحيد العمليات، المساعدة في إيجاد قرارات مستندة إلى البيانات، كما وفَّرَتْ مرونة استراتيجية مكنت الشركة من التكيف مع الاحتياجات المتغيرة في مجال الصحة العالمية. أثمرت هذه الشراكة عن تحسين كبير في إدارة القوى العاملة ومرونة العمليات بما يتماشى مع رؤية (Philips) لخدمة (2.5) مليار شخص بحلول عام 2030م. ([15])

ما تم استعراضه يمثل لمحة موجزة عن أبرز الممارسات الإدارية الحديثة في مجال الموارد البشرية، التي شهدت تطورات نوعية منذ حقبة ما بعد كوفيد-19. ورغم صعوبة الوصول إلى مصادر موثوقة تغطي جميع هذه التطورات بدقة، فقد حرصنا، بقدر الإمكانات المتاحة، على رصد أبرزها وتقديم صورة تعكس عمق التحولات الجارية. لقد أسهم التسارع الكبير في تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعادة تشكيل المشهد الإداري، مضيفاً أبعاداً جديدة للمرونة والكفاءة، وفتح آفاقاً غير مسبوقة لتحقيق الأهداف المؤسسية بطرق أكثر ابتكاراً وفعالية. وانطلاقاً من هذا التحليل لما تحقق حتى الآن، نستشرف في الجزء القادم أبرز ممارسات الموارد البشرية التي يُتوقع أن تشكل ملامح عام 2025، بناءً على الاتجاهات الحالية والتطورات المستقبلية المرتقبة.

 

بعد استعراض أبرز ممارسات الموارد البشرية الحالية وتأثيرات التطورات التكنولوجية المتسارعة، يبرز تساؤل عميق حول طبيعة هذه التغيرات والممارسات الحديثة: إلى أين تتجه إدارات الموارد البشرية في ظل الابتكارات المستمرة؟ وأين موقع مؤسساتنا العربية من هذه التحولات؟ مع اقتراب عام 2025، لا شك أن هذه التساؤلات تتطلب إجابات تستشرف المستقبل وتضع أسساً للتكيف مع القادم.

 

ثانياً: التوقعات المستقبلية لتطورات ممارسات الموارد البشرية خلال 2025م:

في هذا الجزء، سنستعرض أهم التوقعات المستقبلية التي يُنتظر أن تشكل ملامح ممارسات الموارد البشرية، مع التركيز على التحولات الكبرى والتوجهات التي ستعيد صياغة المشهد الإداري والتنظيمي خلال السنوات القادمة وعلى النحو الآتي:

  1. تعميق دور الذكاء الاصطناعي التوليدي:

أصبح من المتوقع أن يتجاوز هذا المجال دعم القرارات التقليدية ليصبح أداة محورية في تصميم تجربة الموظف. من المحتمل أن نشهد تطوير منصات ذكية للتدريب الشخصي، تعتمد على تحليل الأداء وتحديد الفجوات المهارية، إلى جانب مستشارين افتراضيين يقدمون تدريبا أو استشارات فورية وشخصية للشركات وللموظفين.

بالإضافة إلى ما سبق، قد تُحدث أتمتة مراجعات الأداء نقلة نوعية، من خلال دمج تقنيات تحليل المشاعر لخلق مراجعات أكثر شفافية وموضوعية، مما يعزز تجربة العمل ويحقق أداءً أكثر اتساقًا. بالإضافة إلى توقع أن تظهر أدوار ووظائف جديدة في الموارد البشرية، مثل: مختصي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وخصوصية البيانات، مما يعزز شفافية المؤسسة وقدرتها على التكيف مع المتطلبات القانونية.

  1. المنظمات القائمة على المهارات:

مع استمرار النجاح الذي حققته منظمات كبرى، مثل: شركة (Unilever)، و"Cleveland Clinic" في تطبيق النموذج التشغيلي القائم على المهارات، من المتوقع أن يتسع نطاق هذا التوجه ليشمل المزيد من المؤسسات والشركات. قد نشهد إعادة تعريف للأدوار التنظيمية لتصبح أكثر مرونة، حيث يتم تشكيل فرق العمل بناءً على المشاريع والمهام المطلوبة، مما يزيد من قدرة المؤسسات على التكيف مع التغيرات السريعة. كما يُحتمل ظهور "أسواق مهارات مفتوحة" على مستوى عالمي، تتيح للموظفين استعراض خبراتهم والعمل على مشاريع متعددة داخل وخارج مؤسساتهم، مما يُعزز من التعاون والابتكار.

  1. الرفاهية المتكاملة والذكية:

من المحتمل أن تتطور برامج رفاهية الموظفين في عام 2025م لتصبح أكثر شمولية وذكاءً، حيث قد يتم دمج أجهزة تتبع الصحة لتحليل مستويات التوتر وتقديم توصيات فورية لتحسين الرفاهية. وربما تُطوَّر تطبيقات ذكية تساعد الموظفين في تحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، مع تعزيز ربط الإنتاجية بالصحة النفسية عبر أدوات تحليلية تقدم الدعم اللازم في الوقت المناسب.

  1. تعزيز العدالة والشفافية باستخدام البلوك تشين (Block chain) :

من المتوقع أن تلعب تقنية (Block chain) وهي تقنية مبتكرة تُستخدم لتخزين البيانات والتحقق من صحتها بشكل آمن وشفاف دورًا أكبر في إدارة الموارد البشرية خلال عام 2025م، حيث يمكن أن تُستخدم لإنشاء سجلات رقمية دائمة لمؤهلات الموظفين ومهاراتهم، مما يسهل التحقق من الشهادات والخبرات بدقة وموثوقية. كما يُحتمل أن تُستخدم العقود الذكية لأتمتة تنفيذ بنود عقود العمل، مثل: دفع الحوافز أو المكافآت تلقائيًا عند تحقيق الأهداف. إضافةً إلى ذلك، قد تُوظَّف البلوكتشين لتسجيل ساعات العمل والإنتاجية بشكل دقيق وشفاف، مما يمنع التلاعب ويعزز الثقة في بيئات العمل عن بُعد. كما يمكن استخدامها في مراقبة تنفيذ سياسات الأجور والحوافز، ما يقلل التحيز ويضمن العدالة في القرارات المتعلقة بالموظفين. تَعِدُ هذه التقنية بتقليل الأخطاء والتكاليف الإدارية، وتعزيز النزاهة والشفافية في بيئة العمل. ومع ذلك، يتطلب تبنيها بنية تحتية تقنية متطورة وإطارًا قانونيًا يحمي خصوصية الموظفين ويضمن الامتثال الأخلاقي.

  1. إعادة تعريف دور مديري الموارد البشرية:

مع تزايد دور الأتمتة والذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية، قد يشهد عام 2025 تحولًا جوهريًا في أدوار مديري الموارد البشرية، ليصبحوا قادة استراتيجيين يركزون على التغيير التنظيمي وتعزيز الثقافة المؤسسية. من المحتمل أن تتسع مسؤولياتهم لتشمل توجيه المبادرات الكبرى، مثل: إدارة التحولات المؤسسية، وتحفيز الابتكار، وتعزيز الشمول والتنوع. كما أنها ستعزز أدوارهم كمستشارين للإدارة العليا، يستندون إلى بيانات دقيقة ورؤى تحليلية لدعم القرارات الاستراتيجية. سيكون دورهم محوريًا في تصميم تجارب موظفين تتسم بالإلهام والاستدامة، مع التركيز على بناء بيئة عمل تدعم رفاهية الأفراد وتحقق الإنتاجية الفائقة. هذا التحول يتطلب قدرات قيادية متقدمة، وفهمًا عميقًا للتكنولوجيا الحديثة، والتزامًا بتحقيق الأهداف المؤسسية بطرق مبتكرة وفعالة.

 

  1. إدارة المواهب عبر الحدود الوطنية:

مع ازدياد اعتماد الشركات على العمل الهجين وانتشار فرق العمل العالمية، من المتوقع أن يبرز عام 2025 حلولاً مبتكرة لإدارة المواهب العابرة للحدود. قد تشهد الشركات تطورات في أنظمة التوظيف عن بُعد التي تتيح استقطاب المواهب من مختلف أنحاء العالم، مع ضمان الامتثال للقوانين المحلية والدولية. بينما تُتيح هذه التوجهات فرصًا كبيرة للشركات العربية للوصول إلى أسواق عمل عالمية واستقطاب كفاءات نادرة قد يصعب العثور عليها محليًا، إلا أنها قد تُشكل أيضًا تحديًا إذا لم تُحسن الشركات الاستعداد للمنافسة مع الشركات العالمية على استقطاب المواهب المحلية. يمكن أن تكون هذه الفرص دافعًا لتطوير بيئات العمل في المنطقة، وتحسين سياسات الموارد البشرية، وتبنّي تقنيات متطورة. ومع ذلك، فإن غياب خطط استراتيجية واضحة قد يؤدي إلى هجرة الكفاءات المحلية للعمل مع شركات عالمية تقدم امتيازات أفضل، مما يُشكل خطرًا على استدامة المواهب داخل الأسواق العربية، لذلك، يتحتم عليها التركيز على تطوير برامج تدريب وإدارة مواهب متطورة، وإيجاد حلول تنافسية لتحفيز الكفاءات على البقاء والمساهمة في التنمية المحلية.

 

 

  1. دور تقنيات (MetaverseWeb 3 )  في الموارد البشرية:*

مع التقدم التدريجي في استخدام تقنيات (MetaverseWeb 3 ) يمكن أن يشهد عام 2025 توسعًا ملحوظًا في تطبيقاتها في مجال الموارد البشرية. ورغم التحديات التي واجهت انتشارها سابقًا بسبب التكاليف المرتفعة ومخاطر الأمن السيبراني، إلا أن هذه التقنيات بدأت تُظْهِرُ إمكانياتها في تحسين عمليات التوظيف والتطوير الوظيفي كما يأتي: ([16])

  • في مجال التدريب: من المحتمل أن تُستخدم تقنيات (Metaverse) لتقديم تجارب تدريبية تفاعلية تُحاكي الواقع، مما يُمكّن الموظفين من تطوير مهاراتهم بشكل عملي ومبتكر.
  • في مجال التوظيف الافتراضي: قد توفر هذه التقنيات منصات متقدمة لتوظيف المواهب من جميع أنحاء العالم، مع تقديم تجارب انخراط مبتكرة للموظفين الجدد في بيئات العمل.
  • في دعم الفرق الافتراضية: يمكن أن تُحدث ثورة في تفاعل الفرق البعيدة من خلال خلق مساحات افتراضية تُمكّن من الاجتماعات، وإدارة الأداء، والتعاون الفوري بين الموظفين.

قد تفتح تلك التقنيات آفاقًا جديدة لتوظيف مواهب خارج الحدود التقليدية، وتوفير حلول اقتصادية لتطوير المهارات. في مقابل ذلك: قد تواجه الشركات المحلية تحديات، مثل: البنية التحتية التقنية المحدودة، وحاجتها للاستثمار في الأمن السيبراني والبنية التكنولوجية. إذا تمكنت الشركات من تجاوز هذه التحديات، فإن تبني تقنيات (MetaverseWeb 3 ) قد يُمثل فرصة لتحديث أساليب العمل، وتعزيز التنافسية، والانخراط بشكل أوسع في السوق العالمي.

الخاتمة:

في عصر التحولات السريعة والمتطلبات المتغيرة، يصبح دور الحكومات والشركات والمؤسسات العامة والخاصة محورياً في تمكين الشباب وتطوير قدراتهم. يتطلب ذلك استثمارًا واعياً في التعليم الحديث وبرامج التدريب المستمر التي تواكب تطورات العصر، مع إتاحة الفرص للشباب لتطوير مهاراتهم وصقل مواهبهم. هذا الدعم المؤسسي يجب أن يترافق مع تحفيز الشباب على استغلال تلك الفرص، والابتعاد عن الاكتفاء بدور المتلقي، ليصبحوا فاعلين في صياغة مستقبلهم.

إن نجاحنا كأمة لا يُبنى فقط على المبادرات الفردية أو دعم المؤسسات، بل على تكامل الجهود بين الطرفين، حيث يلتزم الشباب بالسعي والتعلم، وتلتزم المؤسسات بتوفير البيئة التي تجعل من التعلم والتطوير رحلة مستمرة للجميع. بهذه الشراكة، يمكننا الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المساهمة في صناعتها، لنكون جزءاً أصيلاً في رسم ملامح المستقبل.

إن التحول المطلوب ليس فقط في سياسات الشركات، بل أيضًا في العقليات والتوجهات التي تحرك هذه المجتمعات. فالشباب العربي واليمني يمتلكون مواهب وقدرات فذة، ولكنها بحاجة إلى إطار يعزز قيم العمل الجاد، التعلم المستمر، والسعي نحو التميز.

التوصيات:

  1. للحكومات وللمؤسسات التعليمية (الرسمية والخاصة):
    • إدخال مناهج تعليمية تركز على تطوير المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
    • دعم مراكز التدريب وبرامج ريادة الأعمال التي تستهدف الشباب وتوفر لهم منصات للتطور.
  2. للشركات والمؤسسات العربية (العامة والخاصة):
    • تبني ممارسات الموارد البشرية الحديثة وتكييفها بما يناسب الواقع المحلي.
    • الاستثمار في منصات تدريب مبتكرة تُدمج فيها تقنيات، مثل: الذكاء الاصطناعي لتحفيز الموظفين على التعلم.
    • خلق بيئات عمل تشجع على الإبداع والابتكار.
  3. للشباب العربي:
    • تعزيز ثقافة القراءة والتعلم الذاتي والمستمر لتجاوز التخلف التنموي.
    • الاستفادة من الموارد الرقمية المتاحة عالميًا لتعويض النقص في الفرص المحلية.
    • النهوض بمستوى المهارات الشخصية والمهنية عبر التدريب والمبادرات الفردية.

إن النهضة تبدأ من الفرد، ومن وعيه بأهمية السعي والعمل المستمر. إن أردنا مواكبة العالم، علينا أن نبدأ اليوم، لأن الغد لا ينتظر القاعدين أو المترددين.

قائمة المصادر والمراجع:

[1] Franz Gilbert and others, 2024 HR technology trend predictions, 15 Feb. 2024: https://www2.deloitte.com

[2] Ibid: https://www2.deloitte.com

[3] Ibid: https://www2.deloitte.com

[4] إيريك روث وآخرون،  إعادة صياغة عملنا في ماكينزي باستخدام منصة الذكاء الاصطناعي التوليدي" ليلي"،09-21-2024مhttps://mittrarabia.com

[5] Mathilde Vermain, HR Trends 2024: Technology, Learning, Wellness, DEI, and AI Compliance, December 10, 2024: https://hrcurated.com

[6] Salesforce Staff, Salesforce Ohana and Hawaiian Culture: Embracing Community, August 2, 2024: https://www.salesforce.com

[7] Employee Welfare: Caring for Giants: Employee Welfare at Fortune Global 500 Firms, 17 Jun 2024: https://fastercapital.com

[8] Ibid :https://hrcurated.com

[9] Ibid :https://fastercapital.com 

[10]Aon, Use assessment data to enable talent strategy in 2024 by Aon, Feb 28, 2024: https://www.hrdconnect.com

[11]Aon, Use assessment data to enable talent strategy in 2024 by Aon, Feb 28, 2024: https://www.hrdconnect.com

[12]Sue Cantrell, The skills-based organization: A new operating model for work and the workforce, 08 September 2022: https://www2.deloitte.com

[13] 21st Century Healthcare, Creating a Patient-Centered Healthcare System, https://my.clevelandclinic.org/about/overview/our-model-healthcare#21st-century-healthcare-tab

[14]Ibid: [14]Sue Cantrell, The skills-based organization: https://www2.deloitte.com

[15]Ibid: https://www2.deloitte.com

[16]  Oksana Lavri, How will the metaverse impact HR ?, 8. June 2023: https://hrforecast.com
الميتافيرس (Metaverse): عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد يتيح التفاعل بين المستخدمين والمحتوى الرقمي باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز.

   الويب 3 (Web 3): الجيل الثالث من الإنترنت يعتمد على تقنية البلوك تشين، يتيح ملكية البيانات واللامركزية والتعاملات الآمنة.