بينما يحتفي العالم باليوم العالمي للموارد البشرية في العشرين من مايو، لا يليق بنا أن نمرّ على المناسبة مرور المجاملات المهنية، ولا أن نختصرها في عبارات تهنئة مألوفة، بل أن نجعل منها لحظة مراجعة عميقة لسؤال جوهري:
وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل الجوهري، يجدر بنا الاعتراف بأن البيروقراطية التقليدية، في كثير من الدول النامية، ومنها بلادنا، قد ارتكبت خطأً جسيمًا حين حاولت اختزال الإنسان في وصف وظيفي ضيق؛ فهي بذلك كمن يعمد إلى ردم عيونٍ نضّاحة في مصادرها، ليستأثر بها وحده، بدلًا من إطلاقها لتتدفق أنهارًا تُحيي حولها آلاف البشر.
ذلك أن الإنسان في المؤسسات ليس ترسًا في آلة، ولا رقمًا في كشف، ولا موردًا يُستهلك ثم يُستبدل؛ إنه طاقة كامنة، ومَلَكَةٌ متنامية، وعقل متى حظي بالرعاية والتمكين والاستثمار الاستراتيجي، تحوّل إلى قوة دفع جبّارة تصنع الأعاجيب.
فالعقول المبدعة، والطاقات الكامنة، لا تكشفها اللوائح الصارمة وحدها، بل تفجّرها البيئة الحاضنة التي تعرف كيف توقظ في الموظف مكامن الإبداع، وتفتح له آفاق النمو، وتمنحه من التقدير والتحفيز ما يجعله يرى في عمله معنى يتجاوز الإنتاج التقليدي إلى إنتاج إبداعي مُذْهِل.
ولعل هذا هو عين ما نحتاجه اليوم في بيئاتنا الإدارية العربية، وبالأخص في بلادنا، وهو أن نواكب، بل أن نسابق تلك الشركات العالمية التي وجّهت اهتمامها إلى فكر الإنسان ومعارفه ودوافعه وقدرته على الابتكار، فأنتجت للبشرية قفزات هائلة في مختلف نواحي الحياة.
وهنا يمكن القول: إننا إذا أردنا حقًا حجز مقعدنا في هذا المضمار العالمي، فقد آن الأوان لأن تخلع إدارات الموارد البشرية عباءتها التقليدية؛ لتكفّ عن كونها مجرد حارس لبوابات الدوام، أو ضابط لحركة الحضور والانصراف، أو إدارة صامتة للملفات.
لقد آن لها أن تصبح: مهندس المُمكّنات الإنسانية والاستراتيجية برسالة تتعدى إدارة البشر، إلى تحرير المكنون البشري، وتنقل المؤسسة من سؤالها المحدود:
ماذا نريد من الموظف؟
إلى سؤالها الأرقى والأعمق:
ماذا يمكن أن يصبح هذا الإنسان إذا وُضع في البيئة الصحيحة؟
ومن هنا يبدأ التحول العميق في مهنتنا في ثلاثة محاور استراتيجية:
أولًا: الإنسان قبل الهيكل
فالوظيفة قالب جامد، أما المهارة فكائن حي يتمدد، والفرد الذي يشغلها مجموعة ملكات جبارة. والمؤسسات العظيمة لا تُخضع العقول لمربعات الهياكل الجافة، بل تعيد تصميم بيئاتها لكي تتدفق فيها المهارات، وتتكامل فيما بينها الملكات، وتتحول المواهب من طاقات ساكنة إلى أنهار من الإبداع والإنتاج.
ثانيًا: التمكين قبل التقييم
إن إدارة الأداء ليست مطاردة شرسة للأرقام، ولا محاكمة دورية جافة للنتائج، بل هي توازن ناضج بين الإنجاز والجدارة؛ بين ما يحققه الإنسان في الواقع، وما يتكوّن في داخله من خبرة ونضج ومسؤولية.
فالأرقام بلا قِيَمٍ عَمَى، والقِيَم بلا إنجاز عُقْم، والمؤسسة الناضجة هي التي تشدد على تحقيق المقاصد بنبل الوسائل.
ثالثًا: القيادة بالدعم لا بالسطوة
فالموارد البشرية ليست ذراعًا رقابيًا يبث الوجل في النفوس، بل عقل مُلهم للتمكين. إنها لا تصنع الالتزام بالخوف، بل بالثقة؛ ولا تبني الولاء بالضغط، بل بصناعة المعنى؛ ولا تقود الناس إلى الأداء العالي بالقسر، بل بإيقاظ الدافع الداخلي في بيئة يشعر فيها الإنسان أنه مرئي، ومُقدّر، وقادر على التطور المستمر.
ختامًا إلى زملاء المهنة، في الوطن وخارجه:
لا تجعلوا الموارد البشرية وظيفة تُدار بحزم السياسات والإجراءات فحسب، بل حوّلوها إلى رسالة تُمارَس من عمق الوعي الإنساني. لا تكتفوا بصياغة القيود واللوائح، بل اصنعوا الفضاءات الرحبة التي ينمو فيها الإنسان ويتنفس.
فالمؤسسة التي لا تكرم مكنون الإنسان، ولا تستثمر في مهاراته، ولا تصون كرامته المهنية، قد تنجح في ضبط الحاضر، لكنها تفقد قدرتها على صناعة المستقبل.
"و كل عام وزملاء المهنة بخير"