المقالات

معضلة الموارد البشرية بين الجهد المبذول والأثر المُثبت: رؤية استراتيجية مدعومة بالأدلة

Image placeholder

د. عبدالملك محمد ملهي

الرئيس التنفيذي لمؤسسة عالم الإدارة (WOM) للاستشارات الإدارية والتدريب ومستشار الموارد البشرية والتنظيم المؤسسي

مقدمة

إن المتأمل في واقع إدارات الموارد البشرية في بلادنا لا يصعب عليه أن يلحظ تعدد الإشكالات التي ما تزال تعوق نضج هذه الإدارة وحضورها المؤسسي. غير أن بعض تلك الإشكالات، لطول بقائها دون معالجة جادة، لم تعد مجرد مشكلات عابرة، بل تحوّل عدد منها إلى معضلات مزمنة ألقت بظلالها على مكانة هذه الإدارة، وعلى مستوى الاعتراف الحقيقي بما تؤديه من أدوار، وما يمكن أن تصنعه من أثر.

ولعل من أبرز تلك المعضلات أن إدارات الموارد البشرية، في كثير من المؤسسات، ما تزال تبذل جهدًا كبيرًا في مجالات التوظيف، والتدريب، وتقييم الأداء، وتقديم الخدمات اليومية للموظفين، ودعم القيادات، وتحسين الانضباط، ومع ذلك لا يبرز دورها بالقدر الذي يوازي هذا الجهد، ولا تحظى دائمًا بالاعتراف الذي يعكس إسهامها الفعلي في تحسين الأداء، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الربحية، وترشيد التكلفة، وتقوية القدرة التنافسية للمؤسسة. ومن ثم، يستمر النظر إليها، في بعض البيئات، بوصفها مركز كلفة أكثر من كونها وظيفة منتجة للقيمة.

ومن هذه الزاوية يقترب هذا المقال من هذه المعضلة، لا ليكرر الشكوى منها، بل ليحاول تفكيكها، والاقتراب من جذورها، وطرح السبل التي قد تمكّن محترفي الموارد البشرية من تقديم براهين أوضح على إسهامها الحقيقي في القيمة الكلية للمؤسسة، ضمن إطار أكثر نضجًا في القياس، والعرض، والإثبات.

المعضلة ليست في غياب الجهد… بل في ضعف إثبات الأثر

من واقع ممارسة مهنية ممتدة في الموارد البشرية عبر بيئات صناعية وتجارية وخدمية، يتبين أن معضلة هذه الوظيفة لا تكمن غالبًا في قلة ما تنهض به من أعمال، بل لعلها تكون، في كثير من المؤسسات، من أكثر الإدارات تعرضًا لتنوع المهام وتراكمها، نظراً لطبيعة عملها كمقدم خدمات يومية لكافة الموظفين في مختلف المستويات الوظيفية والمواقع. غير أن ما يرهقها على نحو أعمق ليس كثرة ما تؤديه من أنشطة، بل ضعف قدرتها على تحويل هذا الجهد إلى أثر ظاهر ومقنع في نظر القيادة العليا بلغة الأعمال.

فهي تنشغل بالتوظيف، والتدريب، وتقييم الأداء، وخدمات الموظفين، والسياسات، والمبادرات، ثم يُعرض ذلك ـ إن عُرض ـ في صورة أرقام نشاط: عدد تعيينات، وساعات تدريب، وسرعة شغل وظائف، ونسب التزام، وعدد برامج نُفذت؛ وكأن كثرة الحركة تكفي، في ذاتها، لإثبات القيمة. والحال أن التركيز على المدخلات والأنشطة، بمعزل عن المخرجات والنتائج، يفضي في الغالب إلى حجب القيمة الحقيقية للموارد البشرية بدلًا من إظهارها (Becker et al., 2001).

غير أن القيادات العليا لا تقرأ الوظائف بهذا المنطق. فهي لا تسأل، في الغالب: كم عملتم؟ بقدر ما تسأل: ماذا تغيّر في المؤسسة بسببكم؟ وهو سؤال مشروع؛ لأن النشاط لا يكتسب قيمته بمجرد وقوعه، ولا يصبح كل جهد منتجًا، ولا كل نتيجة نافعة، ولا كل تحسن جزئي أثرًا استراتيجيًا بالضرورة. فقد ترتفع أرقام التدريب دون أن يظهر تحسن حقيقي في الأداء أو الإنتاجية (Cascio & Boudreau, 2011)، وقد تتسارع وتيرة التوظيف على حساب جودة الاختيار فتزداد معدلات الدوران المبكر، وقد تُستكمل نماذج تقييم الأداء بينما تبقى فجوات الأداء الفعلية على حالها. بل قد تتكاثر مبادرات الموارد البشرية حتى تبدو الإدارة في ذروة النشاط، فيما يظل أثرها على الربحية، أو جودة الخدمة، أو نمو الأعمال، أو رضا العملاء، محدودًا أو غامضًا، وربما سلبيًا إذا أفضت إلى تضخم الإجراءات، أو بطء القرار، أو ارتفاع الكلفة دون مردود معتبر.

ومن هنا، لا تبدو المعضلة في أن إدارة الموارد البشرية عاجزة عن العمل، بل في أن السلسلة التي تصل بين الجهد المبذول والأثر النهائي ما تزال، في كثير من البيئات، رخوة أو غير مكتملة؛ الأمر الذي يجعل الحاجة ماسة إلى منهجية أكثر صرامة في انتقاء المؤشرات، ودقة القياس، وجودة التحليل، والذكاء في عرض القيمة والبرهنة عليها.

لماذا تبدو معضلة الموارد البشرية أعقد من غيرها؟

ولأن أثر الموارد البشرية، في الغالب، لا يتجلى في صورة مباشرة أو خطية يسهل التقاطها وعزلها عن إسهامات الإدارات والوحدات الأخرى، فإنه يتبدى غالبًا أثرًا مركبًا، مشتركًا، ومتداخلًا مع سائر وظائف المؤسسة. فهي، مثلًا، لا تبيع وحدها، ولا تنتج وحدها، ولا تصنع الإيراد بمعزل عن غيرها، غير أن أثرها يسري في ثنايا كل ذلك من خلال ما تبنيه في الداخل: من جودة الاختيار، وسرعة التوظيف، وفعالية التهيئة، ورفع المهارات، وتحسين الأداء، وتقليص الدوران، ودعم القيادة، وتحسين تجربة الموظف، وضبط الانضباط، وسد فجوات الكفاءة، وتعزيز جاهزية الأفراد والفرق.

ولهذا، فمن الخطأ أن يُختزل أثر هذه الإدارة المهمة في حدود تقاريرها الداخلية، بل ينبغي أن يُعبَّر عنه من خلال مؤشرات أوسع وتقارير أعمق، تكشف بلغة الأرقام ما تُحدثه أنشطة الموارد البشرية من أثر في جودة الخدمة، وسرعة العمليات، وتقليل الخطأ والهدر، واستقرار الوظائف الحرجة، وإنتاجية الفرق، وكفاءة التكلفة، وقدرة المؤسسة على النمو دون تضخم غير رشيد في العدد أو الإنفاق. وهنا تنبع صعوبة القياس؛ إذ لسنا بإزاء أثر منفرد، بل بإزاء سلسلة من التأثيرات المتشابكة التي لا يكفي فيها عدّ الأنشطة، ولا تستقيم معها القراءة السطحية للأرقام.

غير أن تلك الطبيعة المركبة لآثار أنشطة إدارات الموارد البشرية، على ما تنطوي عليه من تعقيد، لا تجعل القياس مستحيلًا، بل تجعله أشد احتياجًا إلى نضج في الفهم، ودقة في المنهج. والمشكلة أن بعض قيادات الموارد البشرية لا تُعنى أصلًا برفع تقارير تكشف آثار أنشطتها، بينما تتذرع قيادات أخرى بهذا التعقيد فتكتفي بتقارير وصفية لأدائها، في حين تتجاهله بعض القيادات العليا، لأنها تبحث عن آثار على مستوى المؤسسة تُنسب إلى أداء الموارد البشرية وحدها، مجردةً من سياقها التعاوني التكاملي مع الإدارات والوحدات الأخرى، وهو طلب لا يستقيم في واقع الأعمال. وهكذا تجد هذه الإدارة نفسها واقعة بين ضعف القياس من جهة، وسوء فهم مخرجاتها من جهة أخرى.

الخطأ المزدوج: قصور في العرض… وقصور في الفهم

إذا كانت معضلة الموارد البشرية في إبراز أثرها تزداد تعقيدًا لأسباب متعددة، لعل من أبرزها الطبيعة المركبة لآثارها على مستوى المؤسسة، فضلًا عن ضعف تمكين هذه الإدارة من أدوات التحليل، وقصور تدريبها على آليات القياس التي تعينها على تجاوز هذه المعضلة، فإن استمرارها لا يرجع إلى هذا التعقيد وحده، بل يعود أيضًا، في تقديري، إلى خطأين متقابلين يُغذيان بعضهما بعضًا:

  • الخطأ الأول: ينبع من داخل الموارد البشرية نفسها، حين تهمل نشاط التحليل والقياس، أو حين تكتفي بقياس النشاط، وتعجز عن ترجمة أثرها إلى لغة رقمية مشتركة ومفهومة لدى قطاعات الأعمال الأخرى. فهي قد تدرك حجم الجهود التي تبذلها، لكنها لا تُحسن في الوقت ذاته بيان معناها المؤسسي، ولا تجيد ربط نتائجها الجزئية بالمحصلة الكلية للمؤسسة. وقد يعود ذلك إلى ضعف المهارات التحليلية والإحصائية لدى بعض مختصيها، أو إلى قصور في توافر أدوات التحليل أو ضعف استخدامها، أو إلى غياب البنية التقنية القادرة على جمع البيانات وربطها واستخلاص دلالاتها المؤسسية على نحو ناضج. وهذا ما تؤيده الأدبيات الحديثة، التي تُظهر أن الفجوة بين البحث والتطبيق في تحليلات الموارد البشرية ما تزال قائمة، وأن بطء التبني داخل المنظمات يرتبط، في جانب مهم منه، بضعف المهارات التحليلية، ومحدودية الدعم الإداري، وقصور البنية التقنية والبيانية اللازمة للتطبيق الرشيد (Khajuria et al., 2024, pp. 1, 11–14).
  • الخطأ الثاني: يقع على عاتق بعض القيادات العليا للمؤسسات، حين تطالب إدارات الموارد البشرية ببرهان نهائي على مشاركتها في الربحية أو النمو المؤسسي، لكنها لا تتعامل مع أثر هذه الإدارة بوصفه أثرًا مشتركًا ومساهمًا مع بقية الإدارات الإنتاجية، ولا تهيئ الإطار الذي يسمح بربط بياناتها ببيانات الإدارة المالية، والمبيعات، والعمليات، والإنتاج، والمشتريات، وسائر الإدارات ذات الصلة. وفي مثل هذه البيئات، لا يكون الخلل في ضعف الجهد وحده، بل في ضعف الفهم أيضًا؛ إذ يُنتظر من إدارة الموارد البشرية أن تُبرهن على قيمة لا يُسمح لها، تنظيميًا أو معلوماتيًا، بأن تبني أدوات البرهنة عليها. وقد يغذي ذلك تصور قاصر لرأس المال البشري بوصفه عبئًا تشغيليًا أكثر من كونه أصلًا استراتيجيًا منتجًا (Al-Mahdi & Shawesh, 2025, p. 6)، كما تعمقه الحواجز التنظيمية التي تعزل الإدارات عن بعضها، وتُضعف التعاون، وتحدّ من انسياب المعلومات وتكامل البيانات بينها (Khajuria et al., 2024, pp. 12–14).

والنتيجة، في الحالتين، واحدة: إدارة موارد بشرية كثيرة الانشغال، محدودة القدرة على البرهنة، فلا تستطيع أن تتحقق على نحو كافٍ مما إذا كانت تضيف قيمة حقيقية للمؤسسة أم لا، كما تضعف مكانتها كشريك مؤسسي مهما بلغ ما تبذله من جهد في الواقع. وفي النهاية يقود ذلك إلى إحباط مهني من جهة، وإلى تعميق المعضلة واستدامتها من جهة أخرى.

نحو شراكة في صناعة البرهان: لا تتركوا مدير الموارد البشرية يعمل وحده

لعل من الأخطاء المؤسسية الشائعة أن يُترك مدير الموارد البشرية وحيدًا في مواجهة سؤال أثر أنشطة إدارته على النمو المؤسسي، ثم يُطلب منه، بعد ذلك، أن يُبرهن بمفرده على ما أضافه إلى المؤسسة. والمتأمل في هذه المسألة لا يصعب عليه أن يرى في ذلك قدرًا من الإجحاف بحق إدارة تمتد خدماتها إلى مختلف مستويات المؤسسة، من قمتها إلى قاعدتها، وتتسع لتشمل كل مرافق العمل ومواقعه. وهذا، في حقيقته، لا يعكس نضجًا إداريًا بقدر ما يكشف قصورًا في فهم طبيعة القيمة المؤسسية، وأدوار الموارد البشرية بوصفها جزءًا من سلسلة القيمة، لا وظيفة منفصلة عنها.

ومن هنا، فإن الطريق الأجدى لا يبدأ بتحميل إدارة الموارد البشرية عبء البرهنة وحدها، بل ببناء شراكة قياس مشتركة، تتسع ـ بحسب طبيعة النشاط ـ للموارد البشرية، والمالية، والمبيعات، والعمليات أو الإنتاج، والمشتريات أو الإمداد، وسائر الوظائف التي تتقاطع مع تكوين القيمة النهائية. والمقصود بهذه الشراكة ليس مجرد اجتماع شكلي بين الإدارات، بل تأسيس منطق موحَّد للقياس، يربط بين جودة التوظيف وإنتاجية الأفراد، وبين التدريب وكفاءة العمليات، وبين الاستبقاء وتكلفة الدوران، وبين عدد العاملين وحجم الأعمال، وبين تكلفة العمل والعائد، وبين الأداء الفردي والمحصلة المؤسسية.

غير أن بناء مثل هذه الشراكة لا يتم تلقائيًا؛ إذ تعترضه، في كثير من البيئات، عوائق تقنية تتصل بتشتت البيانات وضعف تكامل الأنظمة، كما تعترضه عوائق تنظيمية لا تقل أثرًا، مثل الجزر أو الصوامع الإدارية، وصراعات النفوذ، ومقاومة التغيير، وغياب الرؤية الموحدة (Kotter, 1996). ومع ذلك، يظل هذا المسار أكثر نضجًا من بقاء الموارد البشرية مطالبة بإثبات أثر مشترك من داخل حدودها وحدها. فإذا لم يُبن هذا الإطار التكاملي، فسيظل أثر الموارد البشرية مبتورًا في التقارير، مهما كان حاضرًا في الواقع.

من عرض الجهد إلى البرهنة على الأثر

ينبغي لقيادات ومحترفي الموارد البشرية، إن أرادوا التحرر من هذه المعضلة المزمنة، ألا يكتفوا بعرض ما يبذلونه من جهود في صورة بيانات مجردة، بل عليهم أن يشرعوا في امتلاك أدوات البرهنة على آثار تلك الجهود، وإظهارها بوصفها قيمة مؤسسية تتكامل مع نتائج أعمال الإدارات الأخرى. فالقضية لا تقوم على الحديث عن عدد ما أُنجز من أعمال، بقدر ما تقوم على ربط ذلك بما أحدثه من تغير في مؤشرات المؤسسة ومسارها. وهنا لا يعود الفارق بين الإدارة المنهمكة والإدارة المؤثرة مرهونًا بكثرة الحركة، وإنما بقدرتها على أن تُري القيادة، بلغة الأعمال، ما الذي تغيّر بسبب تدخلها، وما القيمة التي ترتبت على ذلك التغير.

وعند هذا المستوى، لا تعود إدارة الموارد البشرية أسيرة الحديث عن النشاط بوصفه إنجازًا مكتملًا، بل تبدأ في تقديم نفسها من خلال ما أسهمت فيه من تحسن في الإيراد لكل موظف، أو الربح لكل موظف، أو تكلفة العمل كنسبة من الإيراد، أو جودة التعيين، أو سرعة الوصول إلى الإنتاجية، أو خفض تكلفة الدوران، أو تقليل الخطأ، أو رفع جودة الخدمة، أو تمكين المؤسسة من النمو بالعدد نفسه أو بعدد أقل. وعندئذٍ تفعل لغة الأرقام ما تعجز عنه اللغة العامة: تجعل أثر الموارد البشرية مرئيًا، وقابلًا للقراءة، وجديرًا بالاعتراف.

غير أن هذا التحول لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب من قادة الموارد البشرية أن يرتقوا من مجرد إتقان الوظيفة إلى إتقان البرهنة على أثرها؛ أي إلى فهم أعمق للأعمال، وقدرة أعلى على تحليل البيانات، وربط المؤشرات، والتأثير في القرار، وبناء حجة تنفيذية مقنعة. فالموارد البشرية لا تُقنع المؤسسة بمكانتها بمجرد المطالبة بها، بل بقدرتها على إثبات ما تضيفه إليها، وهو ما تؤكده الأدبيات التي تدعو إلى تبني نهج نتائجي في تنمية الموارد البشرية، وتنتقد الاكتفاء بالمقاييس النشاطية والمدخلات على حساب الأثر والعائد، بوصفهما اللغة الأكثر إقناعًا للقيادة العليا (Phillips & Phillips, 2016, pp. 3–5, 14–15).

الموارد البشرية بين امتلاك الأثر والقدرة على عرضه

غير أن المعضلة لا تقف عند حدود صناعة الأثر، بل قد تمتد أحيانًا إلى ما هو أدق من ذلك: القدرة على الإمساك بهذا الأثر بعد وقوعه، وقراءته، وصياغته، وتقديمه بالوجه الذي يجعله مفهومًا، ومقنعًا، وجديرًا بالاعتراف. وكم من مدير موارد بشرية يمتلك جهدًا حقيقيًا وفهمًا مهنيًا جيدًا، لكنه لا يُحسن:

  • قراءة المؤشرات وتحليلها واستخلاص دلالاتها.
  • بناء لوحة أرقام مترابطة تعرض القصة كاملة.
  • تحويل النتائج المتفرقة إلى قصة تنفيذية تلامس اهتمامات الإدارة.
  • الاختصار والتركيز على الرسائل الرئيسة ذات الأهمية الاستراتيجية.
  • العرض التقديمي الفعال.
  • تقديم الفكرة بلغة يفهمها المدير المالي أو الرئيس التنفيذي، وبمفردات تتحرك بها الإدارة العليا.

ولذلك، فإن مدير الموارد البشرية المعاصر لا يكفيه أن يكون قويًا في التوظيف، أو التدريب، أو الأداء، أو السياسات فحسب، بل لا بد أن يتقن أيضًا:

  • مهارات العرض والتواصل المقنع.
  • الاختصار المهني الذي يوصل الفكرة بوضوح وإيجاز.
  • القراءة الإحصائية الأساسية وتحليل البيانات لاستخلاص الرؤى.
  • بناء الرسوم واللوحات البيانية التي تسهل فهم البيانات المعقدة.
  • امتلاك قدر كافٍ من الإلمام بأدوات التحليل والعرض الحديثة، مثل Excel المتقدم وPower BI ونظائرها، مع توظيف الذكاء الاصطناعي بوعي في بناء المعادلات، وتحليل البيانات، وربط المتغيرات، وصياغة محتوى وعروض أكثر جودة وإقناعًا، أو العمل إلى جانب مختص يتقن هذه الأدوات ويحسن توظيفها.
  • مهارة تفسير الأثر المركب لجهود الموارد البشرية بلغة الأعمال، وربطه بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.

فالمسألة اليوم ليست أن تعمل كثيرًا فحسب، بل أن تعرف كيف تُري المؤسسة أثر ما عملته، وكيف تترجم هذا الأثر إلى قيمة ملموسة ومقنعة وجديرة بالاعتداد.

من النشاط إلى القيمة: ما الذي ينبغي قياسه فعلًا؟

لكي لا يبقى الحديث عن أثر الموارد البشرية معلقًا في مستوى التنظير، فلا بد من نقله إلى ميدان القياس. غير أن هذا القياس لا ينبغي أن ينصرف إلى أنشطة الموارد البشرية وحدها، بل إلى المؤشرات التي تكشف صلتها بنتائج الأعمال. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين بعض هذه المؤشرات وجهود الموارد البشرية قد تكون، في بعض الحالات، أقرب إلى الارتباط منها إلى السببية المباشرة؛ الأمر الذي يقتضي قدرًا من الحذر المنهجي، ودقة في عزل المتغيرات، وجودة في تفسير النتائج قبل نسبة الأثر إلى الموارد البشرية على نحو مباشر (Cascio & Boudreau, 2011).

ولكي لا يبقى ما سبق في حدود التشخيص وتفكيك المعضلة، فإن من المناسب الانتقال إلى طرح عملي يساعد محترفي الموارد البشرية على بناء أساس أولي للعلاج، وعلى إظهار أثر الموارد البشرية في نمو المؤسسة وربحيتها. ومن هذا المنطلق، فإن من أبرز المؤشرات التي يمكن أن تتصدر أي لوحة قياس مشتركة بين الموارد البشرية، والمالية، والعمليات، والمبيعات ما يأتي:

1. الإيراد لكل موظف
المعادلة: إجمالي الإيراد ÷ عدد الموظفين
يقيس هذا المؤشر مقدار القيمة التي تسهم القوة العاملة في توليدها، ويكشف ما إذا كان نمو الإيراد قد تحقق بكفاءة أعلى، أم بمجرد تضخم في العدد.

2. الربح لكل موظف
المعادلة: صافي الربح ÷ عدد الموظفين
وهو أدق من الإيراد وحده؛ لأنه يربط القوة العاملة بالعائد الاقتصادي الصافي، لا بمجرد النشاط البيعي أو التشغيلي.

3. تكلفة العمل كنسبة من الإيراد
المعادلة: إجمالي تكلفة العمل ÷ إجمالي الإيراد × 100
وهو من أوضح المؤشرات في ربط الموارد البشرية بالمالية، ويبين مدى كفاءة التكاليف البشرية قياسًا بما تولده المؤسسة من إيراد.

4. نمو الأعمال مقابل نمو عدد الموظفين
المعادلة: نسبة نمو الإيراد أو العمليات ÷ نسبة نمو عدد الموظفين
ويكشف هذا المؤشر ما إذا كان النمو قد تحقق بكفاءة، أم أن المؤسسة كانت تنمو فقط عبر زيادة العدد دون تحسن حقيقي في الإنتاجية.

5. زمن الوصول إلى الإنتاجية
المعادلة: متوسط المدة التي يحتاجها الموظف الجديد للوصول إلى مستوى أداء متفق عليه
وهو مؤشر حاسم في قياس جودة التوظيف والتهيئة والتدريب؛ لأنه يعكس سرعة تحوّل الموظف الجديد من تكلفة إلى قيمة.

6. جودة التعيين
ويُقدَّر هذا المؤشر من خلال مزيج من الأداء بعد فترة محددة، والاستمرار في العمل، وسرعة الوصول إلى الإنتاجية، وتقييم المدير وفق معايير موضوعية قدر الإمكان. وتكمن أهميته في أنه ينقل النقاش من مجرد إغلاق الشاغر إلى جودة من تم اختياره، وقيمة بقائه، وأثره على المدى الأبعد (Phillips & Phillips, 2016).

7. تكلفة الدوران الوظيفي
المعادلة: عدد المغادرين في الوظائف الحرجة × متوسط تكلفة استبدال الموظف
ويحوّل هذا المؤشر الدوران من نسبة عامة إلى أثر اقتصادي ملموس، بما يشمله من تكاليف التوظيف، والتدريب، وفقدان الإنتاجية، والاختلال التشغيلي.

8. إنتاجية العملية الأساسية للفرد أو الفريق
المعادلة العامة: إجمالي مخرجات العملية الأساسية ÷ عدد الأفراد القائمين عليها
أو
إجمالي مخرجات العملية الأساسية ÷ حجم الفريق
مثل: المبيعات للفرد، أو عدد المعاملات للفرد، أو الوحدات المنتجة للفرد، أو عدد العملاء المخدومين للفرد.
وهنا يظهر أثر الموارد البشرية في صميم العمل الحقيقي، لا في تقاريرها الداخلية فقط، من خلال ما تسهم به في رفع كفاءة التنفيذ وجودته.

9. أثر التدريب على العملية
المعادلة العامة: مقدار التغير في مؤشر الأداء المستهدف قبل التدريب وبعده
أو
نسبة التحسن في المؤشر = (قيمة المؤشر بعد التدريب − قيمته قبل التدريب) ÷ قيمته قبل التدريب × 100
مع مراعاة طبيعة المؤشر، صعودًا أو هبوطًا.
مثل: نسبة الخطأ قبل التدريب وبعده، أو زمن الإنجاز قبل التدريب وبعده، أو عدد الشكاوى أو الإعادات قبل التدريب وبعده.
وتنبع أهمية هذا المؤشر من أنه ينقل التدريب من مستوى النشاط إلى مستوى الأثر التشغيلي القابل للملاحظة، وهو ما تؤكده أدبيات تقييم التدريب، ولا سيما في مستويات السلوك والنتائج (Kirkpatrick & Kirkpatrick, 2005).

10. عائد مبادرات الموارد البشرية
المعادلة: (القيمة المالية المتحققة من المبادرة − تكلفة المبادرة) ÷ تكلفة المبادرة × 100
وهو من أكثر المؤشرات حسمًا؛ لأنه يكشف ما إذا كانت مبادرات الموارد البشرية تمثل استثمارًا مؤسسيًا ذا مردود، أم عبئًا لا يرقى إلى كلفته. فإذا أسهمت مبادرة في خفض الدوران الوظيفي، أو تقليل الأخطاء، أو تسريع شغل الوظائف الحرجة، أمكن تحويل هذا التحسن إلى قيمة مالية، ثم مقارنته بتكلفة المبادرة لمعرفة عائدها الحقيقي.

ولا تتمثل قيمة هذه المؤشرات في مجرد جمعها داخل تقرير، بل في بنائها وقراءتها ضمن سياق مؤسسي مشترك، بالتعاون مع المدير المالي، ومدير المبيعات، ومدير العمليات أو الإنتاج، ومدير التخطيط إن وجد، حتى تكتسب معناها التنفيذي الحقيقي وتتسق مع نتائج الأعمال في بقية الإدارات. كما لا تظهر قيمتها الكاملة إلا إذا استُخدمت إحصائيًا في المقارنة بين الفترات السابقة واللاحقة، بما يكشف ما إذا كان النمو قد تحقق بالكفاءة نفسها أم بتضخم في عدد العاملين أو التكلفة، وما إذا كانت زيادة المبيعات مثلًا قد تحققت بالفريق نفسه أم بزيادة مقابلة في الموارد. وهنا فقط تتحول هذه المؤشرات من أرقام متفرقة إلى أداة لفهم النمو، وكشف الاختلال، ومراقبة نتائج الأعمال، وتمكين التصحيح.

ما الذي يجب أن يفعله رب العمل؟

إذا أراد رب العمل أن يرى القيمة الحقيقية للموارد البشرية، فلا يصح أن يطالبها بالأثر ثم يتركها معزولة عن البيانات والوظائف المؤثرة فيه. فالنهج الأكثر نضجًا لا يقوم على محاسبة الموارد البشرية في عزلة، بل على ربطها بالمالية، والعمليات، والمبيعات، والإنتاج، وسائر الوظائف التي تتكون عبرها القيمة النهائية، مع دعم ثقافة مؤسسية أكثر تكاملًا واتساقًا. كما يقتضي هذا النهج أن تُطلب لوحة مؤشرات مشتركة، لا تقرير منفصل للموارد البشرية، بما يعزز الشفافية والمساءلة المشتركة بين الإدارات، ويجعل أثر هذه الإدارة مقروءًا في سياق الأعمال لا في عزلة عنها.

ويستلزم ذلك أيضًا دعم بناء ثقافة رقمية مشتركة بين الوظائف، والاستثمار في أنظمة معلومات الموارد البشرية ومنصات التحليل التي تيسر دمج البيانات وربطها وتحليلها على نحو أفضل، إلى جانب تشجيع مدير الموارد البشرية على تجاوز الدور التشغيلي المحض إلى دور الشريك القادر على التحليل، والعرض، والإقناع، عبر إتاحة فرص تطوير مهني حقيقية في مجالات تحليل الأعمال والاستراتيجية.

فالموارد البشرية لا تنضج بمجرد زيادة عدد موظفيها أو مبادراتها، بل حين تُدار بوصفها وظيفة تسهم في القيمة، وتُقاس على هذا الأساس، وتُدمج استراتيجيًا في نسيج المؤسسة.

خاتمة

لا تكمن أزمة الموارد البشرية، في كثير من البيئات، في أنها لا تعمل، بل في أنها كثيرًا ما تعمل أكثر مما ينبغي، ثم تعجز ـ أو تُعجَز ـ عن أن تُثبت ما صنعت. وبين جهد مبذول لا يُقرأ كما ينبغي، وأثر مركب لا يُقاس كما يجب، تظل هذه الإدارة معلقة بين كثافة الفعل وضعف الاعتراف. ومن هنا، فإن المدخل الأجدى للخروج من هذه المعضلة لا يبدأ بزيادة الأنشطة، بل بترشيد القياس، وتجويد العرض، وبناء الشراكة المؤسسية التي تجعل أثر الموارد البشرية مرئيًا، ومفهومًا، وقابلًا للبرهنة. وعندئذ فقط، لا تعود الموارد البشرية إدارة مشغولة بإثبات شرعيتها، بل وظيفة ناضجة تفرض مكانتها بما تضيفه فعلًا إلى المؤسسة.

المراجع

  • Al-Mahdi, A., & Shawesh, S. (2025). [الدراسة اليمنية المشار إليها في المتن].
  • Becker, B. E., Huselid, M. A., & Ulrich, D. (2001). The HR Scorecard: Linking People, Strategy, and Performance. Harvard Business School Press.
  • Cascio, W. F., & Boudreau, J. W. (2011). Investing in People: Financial Impact of Human Resource Initiatives (2nd ed.). Pearson Education.
  • Khajuria, R., Maini, A., Bukhari, S. S., & Dhawan, D. (2024). Unveiling the Disconnect: Why HR Analytics Adoption Lags Behind the Research Boom. Academy of Marketing Studies Journal, 28(6), 1–17.
  • Kirkpatrick, D. L., & Kirkpatrick, J. D. (2005). Transferring Learning to Behavior: Using the Four Levels to Improve Performance. Berrett-Koehler Publishers.
  • Kotter, J. P. (1996). Leading Change. Harvard Business School Press.
  • Phillips, J. J., & Phillips, P. P. (2016). Handbook of Training Evaluation and Measurement Methods (4th ed.). Routledge.