
مقدمة:
في البيئات العملية المزدحمة، يكثر من يقول: "خذ بيدي"، "علّمني خطوة خطوة"، "أُرِيْد أنْ أتتلمذَ مباشرة على خبير". وهذا طلب مشروع في أصله، بل يعكس رغبةً صادقةً في التعلم. لكن واقع الحال، هو أن الرعاية المباشرة (Mentorship) ليست متاحة دائماً، لا لأن الخبراء بخلاء، بل لأن الوقت محدود، والضغوط كثيرة، والأعداد التي تحتاج هذه الخدمة كبيرة وفي تزايد مستمر، وسوق العمل لا ينتظر أحداً حتى ينضج على مهل.
ولذلك ينبغي ألا يكون السؤال: من الذي سيتبنّاك؟ بل: ينبغي أن يكون: هل تملك منهجية تبني بها نفسك بنفسك؟
وبالإجابة على هذا السؤال يتبين الفارق ما بين من ينتظر فرصة فراغ الآخرين ليُعَلِّموه، وبين من يبادر لصناعة نفسه بنفسه. هذا الفارق ليس مجرد حماس عابر، بل هو تطبيق عملي لما يُعرف في أدبيات علم النفس التنظيمي ونظريات تعلم الكبار بـ "التعلم الذاتي المنظم".
من هنا يأتي هذا المقال ليضع للمبتدئ سلم تعلم واضح ومبسط، يمكن من خلاله أن يصل إلى مستويات الخبرة التي ينشدها إن لزم المثابرة والعمل بجهد وذكاء وصبر على التعلم، متخذا من الشغف وقودا، ومن تخيل فرحة الفوز بالنهايات السعيدة محركا للوصول.
لماذا يفشل كثيرون في التعلم الذاتي رغم وفرة المصادر؟
لم تعد المشكلة اليوم في ندرة المحتوى، بل في فيضانه إلى الحد المُرْبِكِ لِلمُتَعَلِّم. وليست في ندرة النصائح، بل في كثرة الناصحين. يبرز ذلك حين يتنقل المتعلم بين كتاب، ومقطع، وبودكاست، ودورة، ومنشور، واقتباس، من دون هيكل واضح، ليقع في واحدة من أكثر المشكلات شيوعاً، ألا وهي: "التكديس المعلوماتي دون منهج للبناء المعرفي".
هنا تتدخل نظرية الحمل المعرفي (Cognitive Load Theory) لعالم النفس جون سويلر (John Sweller) لتفسر لنا هذا الفشل. تؤكد النظرية أن الذاكرة العاملة للإنسان محدودة السعة. عندما تُقدم المعرفة بصورة مشتتة أو فائضة فإن ذلك هو ما يُعرف بالحمل الخارجي Extraneous Load، حيث يُستنزف الجهد العقلي في محاولة فك شفرة ذلك التشتت بدلاً من استثماره في الفهم العميق، وبناء المخططات العقلية (الحمل المولّد Germane Load). القضية إذن ليست في كثرة الشرح، بل في سوء تصميم مسار التعلم الذاتي.
ولكي تتجنب هذا الفخ، عليك تبني "بروتوكول التصفية المعرفية"، وهو إجراء عملي بسيط يقوم على ثلاث قواعد:
فالمتعلم الذكي لا يسأل فقط: ماذا أقرأ؟ بل يسأل أيضًا: من أين أبدأ؟ وما الأصول التي ينبغي أن أفهمها أولًا؟ وما الموضوعات التي تُبنى عليها بقية المعارف؟ وما الذي يجب أن أحوله من معرفة نظرية إلى منتج عملي؟
التعلم الذاتي المنظم: المنهجية الخفية للخبراء
في أدبيات التعلم والتطوير، يبرز مفهوم التعلم الذاتي المنظم (Self-Regulated Learning) بوصفه أحد أكثر الأطر نضجاً لفهم كيف يتعلم الأفراد بكفاءة في مكان العمل. وفقاً للنموذج الدوري لعالم النفس باري زيمرمان (Barry Zimmerman)، فإن التعلم الذاتي ليس عشوائياً، بل يمر بثلاث مراحل دائرية مستمرة: [1]
1. مرحلة التفكير المسبق (Forethought): حيث تحدد أهدافك بدقة، وتخطط لاستراتيجياتك، وتستحضر دافعيتك الذاتية وإيمانك بقدرتك على الإنجاز.
2. مرحلة الأداء (Performance): حيث تنفذ خطتك وتراقب نفسك ذاتياً (Self-monitoring) لترى إن كنت تسير في الاتجاه الصحيح.
3. مرحلة التأمل الذاتي (Self-Reflection): حيث تقيّم نتائجك، وتستخلص الدروس، وتعدل مسارك للمرحلة القادمة.
هذا المفهوم يتسق تماماً مع افتراضات نظرية تعلم الكبار لمالكوم نولز (Malcolm Knowles)، التي تؤكد أن البالغين يتعلمون بشكل أفضل عندما يكونون موجهين ذاتياً (Self-directed)، وعندما يكون التعلم مرتبطاً بحل مشكلات واقعية يواجهونها في عملهم.[2]
في تعلّم الموارد البشرية: لا تبدأ من التفاصيل قبل أن تفهم الخريطة
من أكثر الأخطاء شيوعًا في بدايات التعلّم المهني أن يندفع المرء إلى الموضوعات البراقة قبل أن يكتمل لديه التصور الكلي للمجال. فيبدأ بالمقابلات، أو بالأسئلة السلوكية، أو بأسرار التوظيف، أو بتصميم الحوافز، بينما الأساس الذي تنتظم فوقه هذه الموضوعات لم يترسخ بعد. والمشكلة هنا ليست في أهمية تلك الموضوعات، فهي مهمة بلا شك، ولكن في سوء ترتيب الدخول إليها. فالتعلّم المهني الرصين لا يقوم على القفز بين الملفات، بل على بناءٍ متدرج؛ لأن من يبدأ بالطلاء قبل تثبيت الأعمدة، لا يصنع معرفة، بل يصنع انطباعًا هشًّاً بالمعرفة.
ولهذا فإن الدخول الصحيح إلى الموارد البشرية لا يكون عبر موضوعات متناثرة، بل عبر تسلسل منطقي يقرّب للقارئ البنية التنظيمية للمؤسسة، ودورة حياة الموظف، والعلاقة بين كل ممارسة وما بعدها. ومن أفضل البدايات في هذا المسار:
• مدخل شامل لإدارة الموارد البشرية: لتفهم الصورة الكبرى. ماهي إدارة الموارد البشرية وماهو تاريخها وماهي فلسفة وجودها، وأين تعمل ومن تخدم؟ ولماذا وُجدت الوظيفة أصلاً؟ وكيف ينبغي أن تخدم الوظيفة أهداف المنظمة؟ وما علاقة الموارد البشرية بالأداء والربحية والاستدامة؟
• الهياكل التنظيمية: ماهيتها وماهي أنواعها، وماهي أسس تصميمها، وما الكيانات التنظيمية والمستويات والمسميات التنظيمية التي ينبغي أن تصمم فيها.
• تحليل الوظائف وتوصيفها: لأنه الجذر الذي تتكئ عليه بقية الفروع. إذا لم تفهم الوظيفة بدقة، فلن تحسن استقطاب شاغلها، ولا تقييم أدائه، ولا تحديد تدريبه، ولا تسعير أجره.
• الاستقطاب والاختيار: ليس بوصفه عملية نشر إعلان، بل كعلم يتعلق بمواءمة الشخص مع الوظيفة (Person-Job Fit) والمنظمة (Person-Organization Fit).
• التدريب والتطوير: أنواعه، مراحله، كيف نصممه ونطوره، ولمن وكيف يوجّه، لأن الإنسان لا يكفي أن تعيّنه؛ يجب أن تنمّيه، وأن تعرف متى يكون الخلل في المهارة، ومتى يكون في الدافعية، ومتى يكون في التصميم التنظيمي نفسه.
• إدارة الأداء: لا باعتبارها استمارة سنوية مملّة لتقييم المخرجات، بل كمنظومة مدخلات صحيحة للنظام الإداري والمالي والتخصصي، وكتوجيه وقياس ومراجعة وتصحيح للأداء الفردي والجماعي في المؤسسة
• التعويضات والمزايا: ماهي وأنواعها، وكيف يتم تصميمها، وكيف تبني الحوافز والمكافآت، وكيفية تفعيلها، لأن الأجر ليس رقماً مالياً فحسب، بل هو رسالة نفسية من المؤسسة لموظفيها حول مبادئ العدالة والتقدير والإنصاف.
• السياسات والإجراءات: ماهي وكيفية تصميمها، وكيفية تطبيقها، فالمؤسسات تُدار بالقواعد الواضحة التي تضبط السلوك وتقلّل المزاجية.
هذا التسلسل لا يجعلك حافظاً للعناوين، بل يجعلك ترى كيف ترتبط الموضوعات بعضها ببعض. الخبير الحقيقي لا يرى كل ممارسة على أنها جزيرة مستقلة، بل كجزء من نظام أكبر.
لا تكن متخصصًا أعمى: الأبواب الثلاثة لفهم المنظمة
لعل من الأخطاء الكبيرة التي يمكن أن يقع فيها المبتدئ في الموارد البشرية أن يتحول إلى إداري إجراءات لا إلى خبير منظومات. فالمنظمة ليست نماذج وسياسات وإجراءات فحسب، وليست مشاعر بشرية مجردة كذلك، بل يمكن فهمها — بلغة الفكر التنظيمي — بوصفها نظامًا اجتماعيًا-تقنيًا (Socio-technical System)؛ أيْ كيانًا تتفاعل فيه العناصر الاجتماعية والبشرية مع التكنولوجيا والعمليات في تشكيل الأداء والنتائج.
ولهذا، فإن من يريد أن ينمو نموًا حقيقيًا في هذا المجال لا يكفيه أن يتقن النماذج والإجراءات، بل يحتاج أن يفتح ثلاثة أبواب إضافية لا غنى له عنها:
1. علم النفس التنظيمي (Organizational Psychology): لفهم موضوعات بالغة الأهمية، مثل: الدافعية، والرضا الوظيفي، والاحتراق الوظيفي، والصراع التنظيمي، والتغيير، والالتزام، والعدالة المدركة. ومن النظريات المهمة هنا نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory)، التي تقرر أن الحاجات النفسية الأساسية التي يقوم عليها النمو السليم والدافعية الفاعلة هي: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء. ومن أراد مدخلًا عربيًا جادًا في هذا الباب، فيمكنه البدء بكتاب "علم النفس التنظيمي والإداري" للدكتور محمد حسن غانم، وهو متوافر في مكتبة جرير باسم المؤلف نفسه، ومنشور سنة 2021 عن دار ميم للنشر والتوزيع. كما يمكنه أن يوسع قراءته بكتاب «المدخل إلى علم النفس الصناعي والتنظيمي» لـ رونالد ي. ريجيو، ترجمة فارس حلمي.
2. الإدارة الاستراتيجية (Strategic Management): حتى لا يُرى قطاع الموارد البشرية على أنه جهاز يقتصر دوره على تقديم خدمات تشغيلية، بل بوصفه وظيفة مرتبطة بالاتجاه الاستراتيجي، والميزة التنافسية، وبناء القدرات، وتحقيق الأداء المؤسسي. وأرشح من الكتب العربية التي يمكن البدء بها كتاب "الإدارة الإستراتيجية؛ المفاهيم والنماذج» لـ حسن محمد أحمد محمد مختار. ويمكن بعده الانتقال إلى كتاب "الإدارة الاستراتيجية المعاصرة" لـ نبيل مرسي خليل وهاني العمري.
3. علم الاجتماع التنظيمي (Organizational Sociology): لفهم الثقافة التنظيمية، والسلطة غير الرسمية، والشبكات الخفية، والرموز، وأنماط النفوذ، وكيف تحكم المؤسسات أحيانًا بما هو غير مكتوب أكثر مما تحكمها به اللوائح المكتوبة. وللدخول إلى هذا الباب، اقترح كتاب "علم اجتماع التنظيم» لـ محمد علي محمد، وكتاب "علم إجتماع التنظيم» لـ علي عبد الرازق جلبي.
كيف تتعلم عملياً دون أن تغرق أو تتشتت؟
الجواب ليس في حشر خمس وسائل في يوم واحد، ولا في الجلوس لساعات طويلة في حماس البداية ثم الانطفاء بعد أسبوع أو أسبوعين. بل في أن تفهم بأن الأكثر فاعلية هو أن تبني روتيناً منتظماً، صغيراً، وقابلاً للاستمرار.
النتائج المهنية الكبيرة نادرًا ما تتحقق من قفزات بطولية، بل غالبًا ما تنمو عبر جلسات قصيرة ثابتة وتراكم هادئ ومستمر. هذه القاعدة ليست مما يقال بلا دليل، حيث إنها تنسجم مع ما أظهرته أبحاث علم النفس المعرفي حول الممارسة الموزعة أو التكرار المتباعد؛ إذ تشير المراجعات البحثية إلى أن توزيع التعلّم على فترات زمنية متباعدة يعزّز الاحتفاظ طويل المدى بالمعلومات مقارنة بالتعلّم المكثف المتقارب زمنيًا.[3]
ولهذا، فإنني أقترح صيغة عملية مبسطة في التعلّم: اقرأ لتؤسّس، واستمع لتوسِّع أفقك، وشاهد حين يختصر لك العرض مشهدًا معرفيًا معقدًا، واكتب لتوثّق وتختبر فهمك، وطبّق لتثبت ما تعلمته في الواقع. غير أن الخطر لا يكمن في قلة المصادر، بل في سوء التعامل معها؛ فليس كل ما يُقرأ نافعًا، ولا كل ما يُسمع أو يُشاهد جديرًا بالوقت. احذر أن تكون حاطب ليل، تلتقط من المعرفة ما اتفق بلا معيار، بل اضبط تعلّمك بمنهج، واسأل نفسك دائمًا: هل هذا مما أحتاجه الآن؟ هل هو وثيق الصلة بموضوعي؟ وهل يضيف إليّ حقًا، أم يمنحني فقط شعورًا عابرًا بأنني أتعلم؟
كيف تصنع بيئتك العملية حين لا تجد فرصة عمل؟
هنا نصل إلى الجرح الغائر لكثير من الخريجين: "كيف أطبق ما تعلمته وأنا لا أعمل في شركة؟". الحل يكمن في هندسة "بيئة تطبيق افتراضية" تحاكي الواقع، استناداً إلى دورة التعلم التجريبي (Experiential Learning) لديفيد كولب. إليك ثلاث طرائق فاعلة:[4]
الأولى: دراسات الحالة العكسية (Reverse Case Studies): لا تنتظر شركة لتوظفك لتبني هيكلها. اختر شركة محلية تعرفها (مطعم شهير، أو متجر تجزئة)، وتخيل أنك مستشارها. ارسم هيكلها التنظيمية المتوقع، واكتب بطاقة وصف وظيفي لـ "مدير فرع"، وصمم نموذج تقييم أداء لموظفي المبيعات فيها.
الثانية: التطوع المهني الموجّه: بدلاً من التطوع العشوائي، اعرض خدماتك على جمعية خيرية محلية أو مبادرة شبابية، واطلب استلام ملف "الموارد البشرية" لديهم. صمم لهم سياسة أو إجراءات حضور وانصراف، أو خطة استقطاب للمتطوعين. هذا تطبيق حقيقي في بيئة حقيقية.
الثالثة: المحاكاة الذاتية (Shadow Practice): ادخل إلى منصات العمل الحر، مثل: (منصة Upwork أو منصة مستقل)، واقرأ طلبات العملاء في مجال الموارد البشرية. حاول تنفيذ الطلب كتدريب شخصي لك دون أن تتقدم بعرض للعميل، ثم قارن مخرجاتك بما يطلبه السوق.
السر الذي يهمله كثيرون: التلخيص والتطبيق ليسا ترفاً
كثيرون يقرأون. بعضهم يفهم. وقليل منهم يكتب ما فهمه ويطبقه. حين تلخّص بأسلوبك، فأنت لا تعيد نسخ المعرفة؛ أنت تعيد بناءها داخل عقلك (Constructivism). وحين تحاول أن تشرح لغيرك، فأنت تضغط المعرفة حتى يخرج جوهرها. تدعم الأبحاث ما يُعرف بـ تأثير التلميذ (Protégé Effect)، حيث يثبت أن "الاستعداد للتعليم" يحسن جودة الفهم بشكل كبير. بعبارة أخرى: من يشرح، يتعلم مرتين. [5]
أما التطبيق، فهو الحد الفاصل ما بين قارئ جيد وبين مهنيٍّ واعد. السوق لا يكافئ من يحفظ التعاريف، بل من يخطط للممارسة المقصودة وفق نهج واضح ومستمر حتى يصل إلى النتيجة التي يرغب فيها، فيحوّل المعرفة إلى مخرجات ملموسة. تنسجم هذه العملية التعليمية المقصودة مع جوهر تقنية "الممارسة المتعمدة" (Deliberate Practice) لأندرس إريكسون، التي ترى أن الخبرة المتقدمة لا تتكَّون من مجرد تراكم السنوات أو التكرار الاعتيادي، بل من الممارسة المقصودة والمصممة خصيصًا لتحسين الأداء من مستوى حال إلى مستوىً مرغوب.[6]
فمثلاً: إذا درست نشاط تحليل الوظائف، فاكتب توصيفاً وظيفياً كاملاً. وإذا تعلمت المقابلات السلوكية، فصمِّمْ دليلَ أسئلة مقابلات. هذه المنتجات الصغيرة هي بداية محفظة أعمالك المهنية (Portfolio).
وبناء هذه المحفظة هو التطبيق العملي لمفهوم الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy). يعرّف ألبرت باندورا الكفاءة الذاتية بأنها معتقدات الفرد بشأن قدراته على إنتاج مستويات أداء محددة.[7] هذه الكفاءة لا تُبنى بالأمنيات، بل تتغذى من أربعة مصادر أساسية: أهمها "خبرات الإتقان" (Mastery Experiences)؛ فكل نموذج تصممه بنجاح، وكل سياسة تكتبها، تزيد من إيمانك بقدرتك على الإنجاز، وتصبح رافعة قوية للاستمرار.
كيف تجد موجّهك المهني؟ دليل عملي
يقتضي الإنصاف في هذا السياق قول الحقيقة كاملة: فالتعلّم الذاتي، على أهميته، ليس كافيًا وحده في كل المراحل، بل قد يصبح خطرًا إذا تُرك بلا مرشد مهني بصير. ذلك أن المتعلّم قد يقرأ كثيرًا، ويظن أنه فهم، بينما يكون قد بنى تصوّره على فهمٍ مضطرب، أو على تطبيقٍ ناقص، أو على ترتيبٍ معرفي مختل أو قديم. من هنا جاءت الحكمة القديمة: "من كان شيخه كتابه، كان خطؤه أكثر من صوابه".
ولعلك بعدما سبق تتساءل بلهفة: وكيف لي أن أجد الموجّه المهني؟ وكيف أقنعه بمنحي جزءًا من وقته لتعليمي؟ يجيبك على هذا التساؤل علم الاجتماع التنظيمي، حيث يُعرف هذا ببناء رأس المال الاجتماعي. وإليك الخطوات الإجرائية لبنائه:
1. استراتيجية العطاء قبل الطلب (Give to Get): الخبير وقته ثمين. لا ترسل له رسالة: "أرجوك كن مرشدي". بل قدم له قيمة أولاً. قل له مثلاً: "أستاذي القدير، قرأت مقالك الأخير وقد كان مفيدا جديا بالنسبة لي، لذا لخصته في هذا الإنفوجرافيك، ليسهل نشره، وبالمناسبة لدي سؤال قصير حول..." وتطرح سؤالك.
2. التوجيه المصغّر (Micro-Mentoring): لا تطلب رعاية شاملة ومفتوحة، فهذا مخيف للمُوَجِّهْ. بل اطلب منه توجيهاً دقيقاً ومحدداً. أرسل له مثلا بطاقة وصف وظيفي صممتها، واطلب منه تقييمها في ثلاث نقاط فقط.
3. تحديد الهدف بدقة: ابحث عن المتخصص الدقيق لا العام. إذا كنت تتعلم التوظيف، فابحث عن: أخصائي استقطاب أو مشرف أو رئيس قسم وليس "مدير موارد بشرية" عام، ففرصة تجاوبه معك أكبر.
كما يمكنك الاشتراك في المنتديات التخصصية في الموارد البشرية على التليجرام وواتس آب وفيسبوك، فستجد فيها العديد من الخبراء والمحترفين الذين يسعدهم أن يمنحوك جزءًا من وقتهم لمناقشة مساحات تخصصية تحتاجها في سلمك التعلّميّ.
خطة عمل وتطبيق لمدة 90 يوماً
| المرحلة | الأسبوع | الموضوع الأساسي | المخرج العملي (مؤشر القياس) |
|---|---|---|---|
| الشهر الأول: التأسيس المفاهيمي | الأول | مدخل إلى إدارة الموارد البشرية | كتابة ورقة عمل (صفحة واحدة): ما القيمة التي سأقدمها في هذا المجال؟ ومن هي إدارة الموارد البشرية الحديثة وأهم أقسامها وأهم أنشطتها في كل قسم |
| الثاني | الهياكل التنظيمية وتحليل الوظائف | رسم هيكل تنظيمي لشركة صغرى تعرفها، وتحرير بطاقة وصف وظيفي واحدة على الأقل. | |
| الثالث | الاستقطاب والمقابلات السلوكية | تصميم إعلان وظيفي احترافي، وبناء 10 أسئلة مقابلة مبنية على الجدارات. | |
| الرابع | إدارة الأداء | إنشاء نموذج تقييم أداء مبسط لفريق صغير، مع معايير تقييم منطقية. | |
| الشهر الثاني: الممارسة الافتراضية | الخامس | التعويضات والمزايا | تصميم سلم رواتب مبسط لثلاث وظائف مختلفة بناءً على تقييم مبدئي لها. |
| السادس | السياسات والإجراءات | كتابة سياسة "حضور وانصراف" كاملة مع إجراءات التعامل مع المخالفات. | |
| السابع | التطوع المهني | عرض تصميم سياسة أو نموذج على مبادرة أو جمعية وتطبيقه فعلياً. | |
| الثامن | المحاكاة الذاتية | تنفيذ طلب وهمي من منصة عمل حر (مثلاً: تصميم دليل موظف مصغر). | |
| الشهر الثالث: الحضور والتقنية | التاسع | التقنية والذكاء الاصطناعي (HR Tech) | التعرف على نظام HRIS مجاني (مثل Odoo)، واستخدام ChatGPT كـمساعد في صياغة سياسة ومراجعتها نقدياً. |
| العاشر | بناء المحفظة المهنية (Portfolio) | تجميع كل النماذج التي صممتها في الشهرين الماضيين في ملف PDF احترافي. | |
| الحادي عشر | التوجيه المصغّر (Micro-Mentoring) | إرسال نموذج واحد من محفظتك لخبير على لينكد إن أو غيرها لطلب تقييم محدد. | |
| الثاني عشر | المراجعة والتأمل الذاتي | تقييم ما تعلمته، وتحديد الفجوات، ورسم خطة الـ 90 يوماً التالية. |
التوازن بين مسؤولية المُتَعَلِّم وأمانة المُعَلِّم
نظرا لأهمية هذا الأمر، يبرز هنا أمران متلازمان لا يستغني أحدهما عن الآخر. أما الأول، فيتعلق بالمتعلّم نفسه؛ إذ لا بد له من عزيمة صلبة، ووضوح في الرؤية، وصدق في الرغبة، ومثابرة لا تنكسر عند أول تعثر. هذه هي الطاقة التي تحرره من جاذبية الكسل، ومن إغراء التشتت، ومن استهلاك العمر في فضاءات لا تضيف له قيمة. وأما الأمر الثاني، فيتعلق بالمعلّم أو القائد المهني؛ فكل من تصدّر موقعًا مهنيًا أو إداريًا، وحاز خبرة معتبرة، لا ينبغي له أن يحتكرها، وكأنها ملكية خاصة، بل إن من مقتضى الأمانة المهنية، ومن تمام المسؤولية الأخلاقية، أن يسهم في نقلها، ونشرها، وترسيخها في أوساط المجتمع المهني الذي ينتمي إليه. وهذه ليست فضيلة مهنية فحسب، بل قربة إلى الله كذلك؛ لأن تعليم الناس، وإرشاد الحائر، وتقويم الفهم، وفتح الطريق أمام المتعلمين، كل ذلك من أبواب الخير الذي لا يضيع عند الله. ومن يعلّم الناس علمًا نافعًا؛ فإنه لا يصنع أثرًا مهنيًا فحسب، بل يرجو كذلك أجرًا جاريًا، وبركة في العلم، وقبولًا في الأثر. فقد ورد فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " ... إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائكتَه، وأهلَ السماواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جحرها، وحتى الحوتَ، ليصلُّونَ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ"[8].
ثم إن المعلّم لا يخسر حين يعلّم، بل يربح من وجوه كثيرة: يرسخ علمه، ويتجدد فهمه، ويتسع أفقه، ويكتشف ما كان خفيًا عليه من ثغرات فكره حين يحاول شرحه لغيره. ولهذا، فوجود المتعلمين حول الخبير ليس عبئًا خالصًا، بل هو في كثير من الأحيان أحد أسباب نضجه المتجدد، واتساع أثره، وامتداد فكره في الناس. وإذا كان أهل الدنيا يرون في ذلك سمعة مهنية عالية، فإن أهل الإيمان يرون فوق ذلك كله معنىً أجلّ: أن يكون للإنسان تلاميذ صالحون ينشرون علمه، ويحملون أثره، فيبقى الخير ممتدًا بعده بإذن الله. لهذا، فالمعادلة الصحيحة ليست: إما تعلّم ذاتي أو توجيه مهني، بل: تعلّم ذاتي منضبط، تسنده رعاية مهنية راشدة.
الخلاصة
أنت لا تحتاج دائمًا إلى خبير يلازمك، وإن كان ذلك نافعًا ومفضّلًا متى تيسّر، لكنك تحتاج أكثر إلى عقلية تتعلّم بها، ونظام تستمر به، وانضباط يحميك من التشتت. فالرعاية المباشرة مفيدة حين تتاح، أما التعلّم الذاتي المنظّم فهو الطريق الذي يبقى معك حتى حين لا يكون أحد إلى جوارك. وفي أدبيات التطوير المهني، يُستأنس كثيرًا بإطار 70-20-10 بوصفه نموذجًا شائعًا في التعلّم في بيئة العمل؛ إذ يلفت الانتباه إلى أن جانبًا كبيرًا من التعلّم المهني لا يأتي من الدورات والقراءة وحدهما، بل من الممارسة، والتطبيق، والتجربة، وحل المشكلات، والتفاعل مع الآخرين في سياق العمل.[9] غير أن هذه النِّسب تُؤخذ بوصفها مؤشرًا إرشاديًا لا قاعدة حسابية جامدة. ابدأ صغيراً، لكن ابدأ بجدية. اقرأ أقل، وافهم أكثر. واكتب ما تتعلمه؛ لأن المعرفة التي لا تخرج من يدك، نادراً ما تستقر في عقلك.
المراجع الأكاديمية والمهنية
العربية:
الأجنبية:
[1] Zimmerman, B. J. (2002). Becoming a Self-Regulated Learner: An Overview. Theory Into Practice, 41(2), 64–70, esp. pp. 67–68.
[2] Knowles, M. S. (1980). The Modern Practice of Adult Education: From Pedagogy to Andragogy. Englewood Cliffs, NJ: Cambridge Adult Education.
[3] Cepeda, N. J., Pashler, H., Vul, E., Wixted, J. T., & Rohrer, D. (2006). Distributed practice in verbal recall tasks: A review and quantitative synthesis. Psychological Bulletin, 132(3), 354–380.
[4] Kolb, D. A. (1984). Experiential Learning: Experience as the Source of Learning and Development. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
[5] The Protégé Effect: Learn by Teaching Others: :November 21, 2022: https://www.turingcollege.com/blog/the-protege-effect-and-its-impact-on-our-students
[6] Ericsson, K. A., Krampe, R. Th., & Tesch-Römer, C. (1993). The role of deliberate practice in the acquisition of expert performance. Psychological Review, 100(3), 367–369.
[7] Bandura, A. (1994). Self-efficacy. In V. S. Ramachandran (Ed.), Encyclopedia of Human Behavior (Vol. 4, pp. 71–81). New York: Academic Press.
[8] أبو أمامة الباهلي، صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (4213). والتخريج: أخرجه الترمذي (2685)، والطبراني (8/278) برقمَي (7911، 7912)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (216) باختلاف يسير. انظر: الدرر السنية، الموسوعة الحديثية: https://dorar.net/hadith/sharh/69845
[9] Learning and development, Published: 03 Dec, 2024: https://www.cipd.org/en/views-and-insights/thought-leadership/insight/learning-value-social-collaborative/