
مقدمة: حين تنشغل الإدارة بالأعراض وتغفل عن الجذور
في أدبيات الإدارة الحديثة، يُطرح دائماً تساؤل جوهري: لماذا تفشل الكثير من استراتيجيات الموارد البشرية في إحداث أثر حقيقي في نتائج الأعمال؟ الإجابة الكلاسيكية، التي تتردد في أروقة التنظير الإداري، تشير إلى أن هذه الإدارات غالباً ما تغرق في دوامة "الأنشطة" والإجراءات اليومية، وتغفل عن دورها كـ "شريك استراتيجي" (Strategic Partner)، كما نظّر لذلك الخبير العالمي "ديف أولريش" (Dave Ulrich) في نموذجه الشهير للأدوار الأربعة للموارد البشرية.
وهذا التشخيص صحيح من حيث المبدأ العام. لكن، حين نسقط هذه المعادلة على بيئة العمل اليمنية، وتحديداً في مؤسسات القطاع الخاص، نكتشف أن المسألة أعمق بكثير من مجرد "قصور وظيفي" أو انشغال بالأنشطة. إننا في اليمن لا نواجه فقط إدارة موارد بشرية تنصرف أحياناً إلى معالجة الأعراض بدل استئصال المسببات؛ بل نواجه قبل ذلك، وأهم من ذلك، اختلالاً بنيوياً في "البيئة المؤسسية" التي يُفترض أن تحتضن هذه الوظيفة، وتمنحها فرص النمو، وتبني من خلالها المسار المهني الطبيعي الذي تتخلق فيه القيادات والخبرات النوعية.
الفجوة بين النمو التجاري والنضج المؤسسي
لا يعني هذا الطرح، بأي حال من الأحوال، أن سوق العمل اليمني خالٍ من الكفاءات المهنية في مجال الموارد البشرية. بل على العكس، هناك قامات مهنية وممارسون على درجة عالية من الرفعة والاحترافية. لكن هذه الكفاءات—من وجهة نظري ومن واقع ممارسة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود—تظل نادرة وشحيحة إذا ما قيست بحجم الاحتياج الفعلي في السوق، وبخاصة عند النظر إلى الشريحة الأوسع من القطاع الخاص اليمني، والمتمثلة في المؤسسات المتوسطة والصغرى.
لقد تشكلت هذه الفجوة العميقة بين "الطلب المتزايد" و"عرض النوعي المحدود" نتيجة تراكمات معقدة. فالأزمات الطويلة التي عصفت بالبلاد أدت إلى نزيف حاد في العقول وهجرة للكفاءات، وأخرجت خبرات متراكمة من المشهد بفعل التقاعد أو الانكفاء. وفي المقابل، لم تتشكل موجة تعويض مهنية موازية تسد هذا الفراغ؛ ويعود ذلك إلى الضعف الحاد في التأهيل الأكاديمي المتخصص، وشح الاستثمار الجاد في التدريب النوعي، ومحدودية البيئات المؤسسية التي يمكن أن تنضج فيها الممارسة الاحترافية عبر الزمن.
لكن هذه العوامل الخارجية ليست سوى نصف الحقيقة. النصف الآخر، والأكثر إيلاماً، يكمن في طبيعة التحول الذي شهدته شريحة واسعة من مؤسساتنا الخاصة. فكثير من هذه الكيانات—سواء في قطاع الصرافة، أو بنوك التمويل الأصغر، أو تجارة الجملة، أو المعامل الإنتاجية—تمكنت، بفضل الجهد التجاري الفردي والذكاء الفطري للمؤسسين، من الانتقال من نمط "العمل العائلي البسيط" إلى كيانات ذات حجم أكبر وحضور سوقي أوسع.
هذه المؤسسات نجحت بجدارة في تنمية الدخل وتوسيع النشاط، لكنها للأسف الشديد، لم تمنح العناية ذاتها لبناء "القيادة الإدارية"، ولا لجودة اختيار قيادات الصف الأول، ولا لتأهيلهم لقيادة مرحلة الانتقال الحساسة من عقلية "التاجر الناجح" إلى عقلية "المؤسسة القابلة للاستمرار".
الساق التجارية القوية والساق الإدارية الهشة
هنا تكمن العقدة الأشد خطورة. لقد توسعت هذه الكيانات مالياً وتجارياً بسرعة فاقت بكثير سرعة نضجها الإداري والمؤسسي. كبر حجم النشاط، لكن لم يكبر معه بالقدر ذاته مستوى الوعي القيادي. اتسعت رقعة السوق، لكن لم تتسع معها أدوات الإدارة، وثقافة التخطيط، وآليات بناء الصفوف.
وحين يحدث هذا الخلل التكويني، تصبح المؤسسة كمن يركض بـ "ساق تجارية قوية"، و"ساق إدارية أضعف" من أن تحفظ توازن الجسد المؤسسي عند المنعطفات. والأثر المباشر والصادم لهذا الخلل يقع، في الغالب، على كاهل "إدارة الموارد البشرية".
وينعكس هذا الخلل البنيوي على أرض الواقع بصورة مؤلمة؛ إذ تتحول إدارة الموارد البشرية إلى مجرد فرقة لـ "إطفاء الحرائق" اليومية، بدلاً من التفرغ للتخطيط الاستراتيجي وبناء القدرات. ويزداد الأمر سوءاً مع طغيان المركزية الشديدة—وهي سمة متجذرة في كثير من الشركات العائلية اليمنية—والتي تؤدي إلى تهميش دور الموارد البشرية، وتحجيمها في مربع المهام الإدارية البحتة (كشؤون العاملين، ومراقبة الحضور والانصراف)، وتجريدها من أي قدرة حقيقية على التأثير.
فبدل أن تعمل الموارد البشرية في بيئة واعية بدورها الاستراتيجي، تجد نفسها محاصرة داخل مؤسسة لم تُحسن أصلًا اختيار بعض قياداتها العليا أو الوسطى، ولم تستثمر بجدية في تأهيلهم. ثم تعود الإدارة العليا، في مفارقة عجيبة، لتحمّل الموارد البشرية مسؤولية ضعف القيادة، وتتهمها بالتقصير في إعداد الصف الثاني والثالث، أو الفشل في صناعة البدائل.
وهنا يختلط السبب بالنتيجة اختلاطاً خطيراً. إن بناء الصفوف القيادية ليس عصا سحرية تُلوّح بها إدارة الموارد البشرية، ولا ينجح بقرار إداري معزول، أو ببرنامج تدريبي متقطع. إنه عملية متكاملة لا يمكن أن تثمر في بيئة لا تُقدّر التخطيط، ولا تحسم معايير الاختيار، ولا تملك الشجاعة لمراجعة أهلية بعض من يجلسون بالفعل في كراسي القيادة.
الإرادة المزدوجة: توزيع عادل للمسؤولية
ورغم قسوة هذا التشخيص على البيئة المؤسسية، فإن المقاربة المهنية المنصفة تقتضي ألا نلقي باللائمة على طرف واحد. إن الخروج من هذا المأزق لا يتم بتبادل الاتهامات، بل يتطلب "إرادة مزدوجة" وشجاعة من طرفي المعادلة:
رباعية الاختلال: التشخيص الشامل
تأسيساً على ما سبق، فإن أزمة الموارد البشرية في اليمن—من وجهة نظري—لا ينبغي اختزالها في مجرد "ضعف في الممارسة المهنية"، بل يجب تشخيصها بوصفها نتيجة حتمية لتشابك أربعة اختلالات رئيسة تعصف بالبيئة المؤسسية:
1. اختلال في القاعدة المهنية: التي يُفترض أن تُنتج محترفي الموارد البشرية وتغذّي السوق بالكفاءات.
2. اختلال في نضج القيادات: خصوصاً داخل المؤسسات النامية التي كبرت تجارتها ولم تنضج إدارتها.
3. اختلال في ثقافة التخطيط: وغياب الإدارة المؤسسية المنضبطة بالأهداف والمؤشرات.
4. اختلال في توقعات الإدارة العليا: التي تطالب بنتائج مؤسسية حديثة، في حين لا تزال تستخدم أدوات اختيار وتأهيل وتفكير تقليدية أو مجتزأة.
الخلاصة: الرؤية الاستشارية (The Takeaway)
إن أي حديث جاد ومسؤول عن تطوير وظيفة الموارد البشرية في اليمن، يجب ألا يبدأ وينتهي عند تحسين اللوائح، أو تحديث النماذج، أو أتمتة الإجراءات—على أهمية ذلك كله. بل يجب أن يتحرك وفق رؤية شمولية تعيد تعريف "العقد النفسي والمهني" داخل مؤسساتنا.
ختاماً، السؤال الأهم في واقعنا اليمني ليس فقط: لماذا لا تحرّك استراتيجية الموارد البشرية نتائج الأعمال؟
بل السؤال الأصدق والأكثر إلحاحاً هو: هل تملك مؤسساتنا أصلاً البيئة القيادية والتخطيطية والمهنية التي تسمح بولادة موارد بشرية ناضجة وقادرة على التأثير؟
هذا هو السؤال الذي يسبق غيره، وهو الذي يضعنا أمام حقيقة مهنية لا تقبل المساومة: إن أي استراتيجية للأعمال، مهما بلغت درجة عبقريتها وإحكامها، ستظل مجرد حبر على ورق، ما لم تُزرع في بيئة مؤسسية صحية، وتُدار بعقول وكفاءات بشرية مُمكّنة ومُقدّرة. فأزمة الموارد البشرية في اليمن ليست أزمة وظيفة تبحث عن أدوات، بل هي أزمة بيئة تبحث عن إرادة.