المقالات

دور "النوافذ المغلقة" في تآكل حوكمة الشركات من الداخل

Image placeholder

د. عبدالملك محمد ملهي

الرئيس التنفيذي لمؤسسة عالم الإدارة (WOM) للاستشارات الإدارية والتدريب ومستشار الموارد البشرية والتنظيم المؤسسي بخبرة تتجاوز 30 عامًا في تصميم وبناء أنظمة الموارد البشرية والهياكل المؤسسية.

إذا كانت قاعدة «النوافذ المكسورة» تشير إلى الفوضى الصغيرة التي تُترك بلا علاج… فإن «النافذة المغلقة» في بيئات الشركات—وعلى وجه الخصوص البنوك والمؤسسات المالية—ترمز إلى أمر أخطر بكثير بحكم طبيعة نشاطها المرتبط مباشرة بتداول النقد وحساسية الامتثال.  

 النافذة المغلقة = الصمت المتراكم     
  • الصمت عن التقصير،
  • التغاضي عن الهفوات الصغيرة،
  • التأجيل المستمر لمعالجة ما يجب معالجته.

كل ذلك يُنتج ثقافة خطرة: ثقافة “نرى ولا نقول”.  

    ويمكن صياغة القاعدة كالتالي:    
    عندما يسكت الموظفون عن الأخطاء اليومية بدافع المجاملة أو الخوف أو الحفاظ على «السلام الوظيفي»، أو يسكت المدير عن الهفوات الصغيرة حفظًا للعلاقات أو لانشغاله بما هو أكبر؛ فإن المؤسسة تفتح الباب لانحرافات أكبر، ومخاطر تشغيلية أعلى، وتآكل تدريجي للحوكمة.  

أمثلة من واقع البنوك – ليست للحصر:

       
  • موظف يلاحظ خطأ في إجراء… لكنه يفضّل الصمت.
  •    
  • قائد يحب سماع المديح… ولا يتقبل نقل الأخطاء بوضوح.
  •    
  • ملاحظة حساسة تُدفن تحت شعار “لا نكبّر الموضوع”.
  •    
  • تأخير بسيط في إنجاز معاملة يُتجاوز عنه مرات… حتى يصبح عادة.
  •    
  • تجاهل بند صغير في الامتثال لأن “الأمر بسيط هذه المرة”.

النتيجة مع مرور الوقت:

       
  • تتحول الأخطاء الصغيرة إلى مخاطر تشغيلية.
  •    
  • تتسع فجوة الامتثال الشرعي والقانوني.
  •    
  • تتراجع جودة التجربة المصرفية.
  •    
  • يبدأ ما يُعرف بـ تطبيع الانحراف (Normalization of Deviance):      
            أي أن ما كان خطأً واضحًا يصبح “طبيعيًا”، بل “معتادًا”.     

من منظور الحوكمة الفعّالة:

معالجة «النوافذ المغلقة» تبدأ من فتحها ليتاح للأفراد قول ما يجب قوله بأمان.وتفعيل إدارة الأداء بجدية ليحاسب المدير على أساس معيار لا على أساس هوى.  

وتشمل معالجة النوافذ المغلقة أيضًا:

       
  • التعامل الجاد مع أي ملحوظة—even لو كانت صغيرة—خصوصًا عند تكرارها.
  •    
  • منع تمرير الأخطاء بدافع المجاملة.
  •    
  • معالجة كل تعليق حساس وعدم تركه يترسب.
  •    
  • عدم السكوت عن أي سلوك يتعارض مع القيم.
  •    
  • عدم قبول القرارات الشفهية في بيئة مصرفية حساسة.
  •    
  • اعتماد المكاتبات الرسمية حتى مع الاستثناءات، على أن يتحمل صاحب الصلاحية مسؤولية ما يوقّعه.
  •    
  • ترسيخ ثقافة “اطلب التوثيق” لدى الموظف، حتى يشعر الجميع بالأمان المؤسسي والقانوني.

الخلاصة:

في الشركات عامة، وفي البنوك خصوصًا:  أسوأ الأخطاء لا تبدأ بانفجارات… بل بهمسات. والمؤسسة التي تسمح بثقافة الصمت السلبي و«النوافذ المغلقة» ستزداد فيها «النوافذ المكسورة»…وسيتأثر الامتثال والسمعة وثقة العملاء عاجلًا أم آجلًا.  

أما المؤسسة التي تعلّم موظفيها قول الحقيقة مبكرًا، وتعالج التفاصيل الصغرى قبل أن تتضخم، ولا تسمح للهفوات الصغيرة أن تتكرر وتترسخ…فهذه هي المؤسسة التي تبقى. فهل نعي ذلك حقًا؟