المقالات

فن معايشة الحزن: رحلة في إدارة الروح من الانكسار إلى الانطلاق

Image placeholder

د. عبدالملك محمد ملهي

الرئيس التنفيذي لمؤسسة عالم الإدارة (WOM) للاستشارات الإدارية والتدريب ومستشار الموارد البشرية والتنظيم المؤسسي بخبرة تتجاوز 30 عامًا في تصميم وبناء أنظمة الموارد البشرية والهياكل المؤسسية.

مقدمة

 

حين يزورنا ما لا نختار في رحلة الحياة، هناك ما نختاره، وهناك ما يختارنا. والحزن من الصنف الثاني؛ إنه زائر ثقيل، لا يطرق الباب بل يخلعه، لا يهمس في أذنك بل يصرخ في أعماق روحك. هو قَدَرٌ يزور الجميع، لكن الاستسلام له هو محض قرار.  

 

وهنا، عند هذا المفترق الحاسم بين القَدَر والقرار، تبدأ حكايتنا. هذه ليست دعوة لـ "إدارة" الحزن كأنه مشروع متعثر، ولا وصفة لـ "التغلب" عليه كأنه عدو في معركة. بل هي محاولة متواضعة لفهم "فن معايشة الحزن" كحالة إنسانية يجب أن نعيشها، لا أن نسمح لها بأن تعيشنا. إنها رحلة روحية وفكرية، نحاول فيها معًا أن نحول الألم من قيد يسجننا، إلى زادٍ يعيننا على المسير، عبر رحلة تمر بمحطات جوهرية معينة على ذلك.  

 

    1️⃣ تفكيك الوهم: الحزن ليس خطاً مستقيماً  

 

قبل أن نبحث عن مسار للنهوض، علينا أن نعترف بطبيعة الأرض التي نقف عليها. إن أكبر وهم نقع فيه هو أننا نتعامل مع الحزن كأنه عملية خطية: تبدأ من نقطة (أ) وتنتهي عند نقطة (ب). لكن حقيقة الحزن أنه فوضوي، متقلب، وغير متوقع. إنه يشبه البحر؛ يومًا يكون هادئًا، ويومًا آخر يضرب شواطئ أرواحنا بأمواجه العاتية.  

 

لذلك، فإن "الانتكاسة المشروعة" هي جزء لا يتجزأ من رحلة التعافي. قد نتقدم خطوتين للأمام اليوم، ونتراجع خطوة للخلف غدًا. وهذا لا يعني أننا فشلنا، بل يعني أننا بشر. أن نطلب من إنسان مكلوم أن يتابع تقدمه بصرامة، كمن يتابع أداء أسهم في البورصة، هو طلب قاسٍ وغير واقعي. فالانهيار أحيانًا مسموح، والتوقف لالتقاط الأنفاس ضروري. إن الاعتراف بهذا الضعف الإنساني هو أول خطوة نحو القوة الحقيقية.  

 

    2️⃣ ضبط بوصلة الروح: بين التسليم والجزع  

 

في خضم هذه الفوضى، نحتاج إلى بوصلة ثابتة. وهنا، نجد في المنهج النبوي أرقى نموذج للموازنة بين إنسانية الألم وعمق الإيمان. حين قال نبينا الكريم ﷺ عند فقد ابنه إبراهيم: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا"، لم يكن يقدم لنا درسًا في الصبر فحسب، بل كان يؤسس لفلسفة كاملة في معايشة الفقد.  

 

هذا القول هو الجسر الذي يربط بين روحانية التسليم وواقعية الألم. إنه يعلمنا أن الحزن شعور إنساني طبيعي يجب أن يُعاش، لكن الجزع موقف وجودي يجب أن يُرفض. فالحزن هو مطر العين وكمادة القلب، أما الجزع فهو فيضان يقتلع جذور الإيمان بالقضاء والقدر. أن نعيش الأول هو من طبيعة بشريتنا، وأن نرفض الثاني هو من تمام قوة إيماننا.  

 

    3️⃣ زاد الروح في رحلة التعافي  

 

إذن، كيف نمضي في هذا المسار المتعرج؟ إننا لا نحتاج إلى "خطة عمل" صارمة، بل إلى "زاد" وبوصلة توجه خطواتنا حين تشتد العتمة.  

 

تبدأ هذه الرحلة بتحديد وجهة القلب؛ فنسأل أنفسنا: إلى أين نريد أن نصل؟ ليس كهدف مادي، بل كوجهة للروح؛ كأن نخرج من هذه التجربة أكثر رحمة، أو حكمة، أو فهماً لهشاشة الحياة وجمالها. إن وجود هذه الوجهة هو ما يمنعنا من أن تتقاذفنا أمواج اليأس، لأن من لا يحدد وجهته، تحددها له الرياح.  

 

ومتى ما اتضحت الوجهة، احتجنا إلى استجماع زاد الطريق. لكل منا "زاد" داخلي قد يحجبه غبار المعركة؛ هو إيماننا بالله الذي لا يتركنا وحدنا، وعقولنا التي تميز بين الحقيقة والأوهام، وخبراتنا التي علمتنا أن كل ليل يعقبه فجر. وهو أيضًا مسؤولياتنا تجاه من نحب، وأحلامنا التي لم تمت بعد. إن لملمة هذا الزاد هو ما يمنحنا القوة لمواصلة المسير.  

 

وفي أثناء المسير، وعوضاً عن الانشغال بـ "قياس الأداء"، لعلنا ننشغل بـ تفقد حال القلب برفق. أن نسأل أنفسنا بين الفينة والأخرى: كيف حال قلبي اليوم؟ هل هو أثقل أم أخف؟ هل دخل إليه بصيص نور؟ هذا التفقد اللطيف يجعلنا أكثر وعياً برحلتنا، ويساعدنا على تعديل المسار دون جلد للذات. وإن وجدنا أن القلب مثقلٌ بما لا يطيق، فإن طلب العون من رفيق درب أو مختص ليس ضعفاً، بل هو من تمام الحكمة.  

 

    4️⃣ كيمياء الألم: تحويل المحنة إلى منحة  

 

إن أعظم سر في هذه الرحلة هو أن الألم ليس مجرد حدث سلبي يجب التخلص منه، بل هو "مادة خام" يمكن تحويلها إلى شيء ثمين. الفولاذ لا يُصنع في الظل، بل في نار الأفران. وكذلك النفوس العظيمة، لا تُصقل في الراحة، بل في محن الحياة.  

 

التجربة القاسية، حين نعيشها بوعي، تمنحنا ثلاثة "أصول" لا تُشترى بمال: صلابة نفسية تجعلنا أقل هشاشة أمام عواصف المستقبل، ونضج عاطفي يجعلنا أكثر حكمة في علاقاتنا، وعمق إنساني يجعلنا أكثر رحمة وتعاطفاً مع آلام الآخرين. هنا يتحول الألم من عدو إلى معلم. ويتحول الانكسار إلى بداية لانطلاق جديد، لا نعود فيه كما كنا، بل نصبح نسخة أعمق وأكثر أصالة من أنفسنا.  

 

    5️⃣ خاتمة: قرار النهضة  

 

في نهاية هذا المسار، نعود إلى النقطة التي بدأنا منها: الحزن قَدَرٌ يزور الجميع، أما الاستسلام له فهو قرار شخصي نحن وحدنا من نتخذه. البقاء في دائرة الألم ليس حتمية، بل هو خيار يمكن تغييره بقرار واعٍ بالنهوض.  

 

لعلنا نتذكر دائمًا أن الحياة تمضي، والفرص تتجدد، ودورنا في الإعمار لم ينتهِ بعد. فلا نكن ذلك الذي أوقفه حزن عابر عن رحلة عظيمة كان من المفترض أن يخوضها. لعلنا ننهض، ونستجمع شتات أرواحنا، ونحول ألمنا إلى وقود، وننطلق من جديد.  

 

فالعالم لا ينتظر الساقطين، بل يفسح الطريق لأولئك الذين اختاروا، رغم كل شيء، أن يواصلوا المسير.  

 

    "النهضة ليست حدثًا… بل قرارًا يُعاد كل صباح."  

 

    "لم نختر الألم، ولكننا نختار دائمًا ألا نُهزَم به."